رئيس التحرير
عصام كامل

الله يعلم ما لا تستطيع أن تقوله

18 حجم الخط

هناك أوقات في حياتنا نعجز فيها عن الكلام، ليس لأننا لا نملك ما نقوله، بل لأن ما بداخلنا يكون أكبر من أن يتحول إلى كلمات. نحاول أن نشرح ما نشعر به، فنجد أنفسنا عاجزين عن ترتيب مشاعرنا، أو نخاف أن يساء فهمنا، أو ربما نكون قد تعبنا من الشرح حتى أصبح الصمت أرحم من الكلام. وفي تلك اللحظات تحديدًا، تكون أجمل طمأنينة يمكن أن يشعر بها الإنسان هي أن يعرف أن الله لا يحتاج إلى شرح طويل حتى يفهمه.

 

في سفر طوبيا، وسط صلاة طوبيا وتضرعه، تأتي كلمات قصيرة لكنها تحمل معنى عميقًا جدًا: «أَنَّكَ يَا رَبِّ عَالِمٌ». كلمات قليلة، لكنها تختصر احتياجًا إنسانيًا كبيرًا؛ أن يكون هناك من يعرف ما في القلب حتى عندما يعجز صاحبه عن التعبير عنه. الله يعلم ما لم تستطع أن تقوله، ويعلم الدموع التي أخفيتها، ويعلم لماذا صمتَّ عندما كان الجميع ينتظر منك إجابة، ويعرف القصة الكاملة وراء كل تصرف لم يفهمه الآخرون.

 

الإنسان غالبًا يحكم على ما يراه؛ يسمع كلمة فيفسرها، ويرى موقفًا فيبني عليه حكمًا، ويلاحظ صمتًا فيضع له تفسيرًا من عنده. لكن الإنسان لا يستطيع أن يرى القلب كاملًا، ولا يعرف كل الظروف التي صنعت موقفًا معينًا. أما الله، فلا يرى الصورة من الخارج فقط، بل يعلم ما في الداخل. وهنا تكمن طمأنينة عظيمة: أنك لست مضطرًا دائمًا إلى أن تشرح نفسك للجميع حتى تكون مفهومًا عند الله.

 

قد يمر بك يوم تشعر فيه أن لا أحد يفهم ما الذي يحدث بداخلك. وربما تحاول أن تشرح لشخص تحبه سبب حزنك، فلا تجد الكلمات المناسبة، أو تكون وسط مجموعة من الناس وتضحك معهم، بينما في داخلك معركة لا يعرف عنها أحد شيئًا. وفي مثل هذه اللحظات، تذكّر أن هناك من يعلم. قد لا يعرف الناس لماذا تغيرت، لكنه يعرف، وقد لا يفهم أحد لماذا انسحبت قليلًا، لكنه يعرف، وقد يرى الآخرون هدوءك، بينما هو يرى التعب الذي وراء هذا الهدوء.

 

وهذا لا يعني أننا لا نحتاج إلى البشر، أو أن الإنسان يجب أن يعيش مشاعره وحده. نحن نحتاج إلى من يسمعنا ويحتوينا ويقف بجانبنا، لكن هناك مساحة في داخل كل إنسان لا يستطيع أحد أن يصل إليها بالكامل، مهما كان قريبًا منه. وهذه المساحة يعرفها الله. يعرف خوفك الذي تخفيه خلف ثباتك، ويعرف أمنيتك التي توقفت عن الحديث عنها، ويعرف الصلاة التي لم تستطع أن تكملها، والدمعة التي مسحتها سريعًا حتى لا يراها أحد.

 

وأحيانًا تكون أقصر صلاة هي أصدق صلاة. أن تقول فقط: «يا رب، أنت تعلم». لا تحتاج في كل مرة إلى كلمات كثيرة، ولا تحتاج إلى أن ترتب مشاعرك ترتيبًا مثاليًا قبل أن تقف أمام الله. اذهب إليه كما أنت، بتعبك وحيرتك وخوفك وصمتك؛ فهو لا ينتظر منك خطابًا منظمًا، بل يعرف القلب الذي يقف أمامه.

 

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الإنسان قادرًا على الاستمرار حتى في أصعب فترات حياته؛ لأنه يعرف أن ما يمر به ليس مجهولًا عند الله. عندما لا تعرف ماذا تفعل، هو يعلم. وعندما لا تعرف لماذا حدث الأمر، هو يعلم. وعندما تعجز عن تحديد ما تحتاج إليه، هو يعلم. وحتى عندما تقول للآخرين إنك بخير بينما أنت في الحقيقة لست بخير، هو يعلم أيضًا.

 

لكن معرفة الله لا تعني فقط أنه يعرف آلامنا، بل تعني أيضًا أنه يعرف احتياجاتنا ونقاط ضعفنا وقدرتنا على الاحتمال، ويعرف الأشياء التي نحتاج إلى أن نتعلمها، والأبواب التي تناسبنا والأبواب التي قد تؤذينا. هو يعرف الإنسان الذي كنت عليه، والإنسان الذي أنت عليه الآن، والإنسان الذي يمكن أن تصبحه. ولذلك لا تجعل عدم فهم الآخرين لك سببًا في فقدان سلامك. ليس مطلوبًا أن تحصل على موافقة الجميع على كل ما تشعر به، ولا أن تشرح كل قرار اتخذته، ولا أن تجعل كل شخص يفهم قصتك كاملة.

 

هناك أشياء يكفي أن تكون معروفة عند الله. وأحيانًا، عندما يزداد الصمت من حولك، لا يكون الصمت علامة على أنك وحدك، بل فرصة لتكتشف أن هناك حضورًا لا يحتاج إلى كلمات. فالله لا يسمع الكلمات فقط، بل يسمع ما قبل الكلمات وما بعدها؛ يسمع الارتباك الذي يسبق الجملة، والدمعة التي تسبق الصلاة، والتنهدة التي لا تعرف كيف تشرحها.

 

لذلك، إذا كنت تمر اليوم بمرحلة لا تستطيع فيها أن تتحدث كثيرًا، فلا تضغط على نفسك كي تجد الكلمات المناسبة. ارفع قلبك كما هو، وقل ببساطة: «يا رب، أنت تعلم». تعلم ما يؤلمني، وتعلم ما أخشاه، وتعلم ما أتمناه، وتعلم ما لا أستطيع أن أقوله لأحد. وهذه الكلمات البسيطة قد تكون بداية سلام كبير؛ لأنك عندما تتأكد أن الله يعلم، لن تشعر أنك مطالب بأن تحمل وحدك عبء أن يفهمك الجميع.

 

قد يسيء البعض تفسير صمتك، وقد لا يعرفون سبب دموعك، وقد لا يفهمون لماذا اخترت طريقًا معينًا، لكن هذا كله لا يغير الحقيقة الأهم: الله يعلم. يعلم قلبك قبل أن تتكلم، ويعرف قصتك قبل أن ترويها، ويرى تفاصيل حياتك التي لا يراها أحد. وربما تكون أكبر طمأنينة يمكن أن يحملها الإنسان في قلبه ليست أن يجد إجابة لكل سؤال، ولا أن يشرح كل ما يشعر به، بل أن يعرف أن هناك إلهًا عالمًا بكل شيء، يرى ما لا يراه الناس، ويفهم ما تعجز الكلمات عن وصفه.

لذلك، عندما يصعب عليك الكلام، لا تخف من الصمت؛ فحتى في صمتك هناك من يسمع، وحتى عندما تعجز عن شرح نفسك هناك من يعرفك، وحتى عندما لا تستطيع أن تقول سوى كلمة واحدة، فهي تكفي: «أَنَّكَ يَا رَبِّ عَالِمٌ».

الجريدة الرسمية