لحيظة تركتك
يمرّ الإنسان أحيانًا بأوقات يشعر فيها أن الضيق قد طال أكثر مما يحتمل، وأن الأيام الصعبة لا تريد أن تنتهي. ينتظر خبرًا يطمئنه، أو بابًا يُفتح أمامه، أو حلًّا لمشكلة أثقلت قلبه، وكلما طال الانتظار بدأ يسأل نفسه: هل سيبقى الأمر هكذا؟ وهل يراني الله وأنا أمرّ بكل هذا الألم؟
ولعل أصعب ما في الضيق ليس الألم نفسه، وإنما الشعور بأننا نواجهه وحدنا. فالإنسان عندما يتعب، قد لا يحتاج إلى إجابة عن كل أسئلته بقدر ما يحتاج إلى أن يطمئن إلى أن ما يمر به ليس نهاية الطريق.
وهنا تأتي كلمات الكتاب المقدس في سفر إشعياء، الإصحاح الرابع والخمسين، حاملة رسالة تعزية ورجاء: «لُحَيْظَةً تَرَكْتُكِ، وَبِمَرَاحِمَ عَظِيمَةٍ سَأَجْمَعُكِ». وهذه الكلمات لم تأتِ في فراغ، بل جاءت في سياق حديث عن شعب مرّ بمرحلة من الانكسار والألم، ثم جاءت الرسالة لتعلن أن زمن الضيق ليس هو الكلمة الأخيرة، وأن ما بعد الألم يمكن أن يكون زمنًا جديدًا من الرحمة والرجاء.
واللافت في الآية أنها لا تنكر الألم. فالكتاب لا يقول إن ما حدث لم يكن مؤلمًا، لكنه يضعه في حجمه أمام عظمة رحمة الله. يقول: «لُحَيْظَةً»، ثم يقول: «بِمَرَاحِمَ عَظِيمَةٍ». وكأن الرسالة تقول إن هناك فرقًا بين قِصر اللحظة وعِظم الرحمة؛ قد تكون لحظة الألم ثقيلة على القلب، لكنها تظل محدودة أمام رحمة الله التي لا يحدّها هذا الألم.
نحن، في أوقات الضيق، نعيش داخل اللحظة، ولذلك تبدو لنا وكأنها كل الحياة. عندما يتأخر الفرج، نظن أن التأخير سيستمر، وعندما يُغلق باب أمامنا، نعتقد أن جميع الأبواب قد أُغلقت. لكننا كثيرًا ما نكتشف بعد مرور الوقت أن ما ظنناه نهاية كان مجرد مرحلة، وأن ما حسبناه تأخيرًا كان جزءًا من طريق لم نكن نرى نهايته.
والأجمل في الآية أن الله لا يكتفي بالقول إن اللحظة ستمر، بل يقول: «وَبِمَرَاحِمَ عَظِيمَةٍ سَأَجْمَعُكِ». هناك وعد بالجمع بعد التشتت، وبالرحمة بعد الألم، وبالاسترداد بعد الانكسار. وهذا يمنح الإنسان شيئًا مهمًا جدًا: الأمل.
قد لا نعرف متى ينتهي الضيق، وقد لا نفهم الآن لماذا سمح الله ببعض الأمور في حياتنا، لكن عدم فهمنا لا يعني غياب الله. فهناك أشياء كثيرة لا نستطيع أن نرى معناها ونحن في منتصف الطريق، ثم نفهمها عندما نصل إلى نهايته.
لذلك، إذا كنت تمرّ الآن بوقت صعب، فلا تجعل هذه الفترة تحكم على حياتك كلها. لا تقل إن هذا هو مستقبلي لمجرد أن حاضرك متعب، ولا تظن أن الصمت يعني الغياب، أو أن التأخير يعني الرفض. فهناك فرق كبير بين أن تتأخر الإجابة، وبين ألا تكون هناك إجابة.
ربما يكون ما تمرّ به الآن مجرد «لُحَيْظَة»، حتى وإن بدت لك طويلة وثقيلة، وربما تكون الرحمة التي تنتظرك أكبر بكثير مما تستطيع أن تتخيله في هذه اللحظة.
والإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يعرف متى سينتهي تعبه، بقدر ما يحتاج إلى أن يثق بأن التعب ليس أبديًا، وأن الله قادر أن يحوّل أصعب الفترات إلى بداية جديدة، وأن يجمع ما تشتّت، ويرمم ما انكسر، ويمنح القلب قدرة على البدء من جديد.
فلا تحكم على حياتك من خلال أصعب أيامها، ولا تجعل لحظة الألم تُقنعك بأن الرحمة قد غابت. تذكّر دائمًا أن الآية لم تتوقف عند «لُحَيْظَةً تَرَكْتُكِ»، بل أكملت الوعد: «وَبِمَرَاحِمَ عَظِيمَةٍ سَأَجْمَعُكِ».
قد يمرّ الضيق، وقد يطول الانتظار، لكن رحمة الله أكبر من كل تعب، وعوضه أوسع من كل خسارة، وما يبدو اليوم نهاية قد يكون غدًا بداية لحكاية مختلفة تمامًا.
TikTok: @pwagih
