رئيس التحرير
عصام كامل

حين يختم الله السنة بالخير

18 حجم الخط

قد تمرّ علينا أيام نشعر فيها أن السنة أثقلت كاهلنا أكثر مما كنا نتوقع. أحداث لم نخطط لها، أبواب أُغلقت، أشخاص غابوا، أحلام تأخرت، وأوقات طويلة حاولنا فيها أن نتماسك فقط كي نستطيع أن نكمل الطريق. وفي نهاية كل مرحلة صعبة، كثيرًا ما ننظر إلى ما حدث ونسأل: ماذا بقي لنا من كل هذا التعب؟ وهل يمكن أن تحمل الأيام القادمة شيئًا يعوضنا عما فقدناه؟

 

وسط هذه المشاعر تأتي كلمات المزمور الخامس والستين كرسالة رجاء جميلة: «كَلَّلْتَ السَّنَةَ بِجُودِكَ، وَآثَارُكَ تَقْطُرُ دَسَمًا». وهذه الكلمات تأتي في سياق مزمور يمتلئ بالتسبيح لله على عنايته بخليقته، وعلى عطائه للأرض والمطر والزرع والحصاد. فالصورة التي يقدمها المزمور هي صورة سنة تمر بمراحلها، ثم يأتي الله فيختمها بالخير والبركة.

 

وهنا يكمن معنى عميق يمكن أن نراه في حياتنا أيضًا: ليس كل ما يحدث في بداية الطريق يعبّر عن نهايته. فالأرض لا تبدو مثمرة في كل لحظة. هناك وقت للزرع، ووقت للانتظار، ووقت قد يبدو فيه كل شيء ساكنًا، ثم يأتي وقت الحصاد. وكذلك حياتنا؛ قد تمر علينا فترة طويلة لا نرى فيها نتيجة لتعبنا، ونظن أن كل ما بذلناه قد ضاع، بينما ربما كان الله يعمل في أشياء لم نكن نستطيع رؤيتها بعد.

 

لذلك يقول المزمور: «كَلَّلْتَ السَّنَةَ بِجُودِكَ». وكلمة «كللت» تحمل صورة جميلة؛ كأن الله يضع إكليلًا على نهاية السنة، ويختمها بجوده. ليس معنى ذلك أن السنة خلت من التعب، بل إن وجود الحصاد نفسه يفترض أن هناك زرعًا وانتظارًا وتعبًا سبقوه.

 

وهذا ما ننساه أحيانًا عندما ننظر إلى حياتنا من منتصف الطريق. نرى الأشهر الصعبة، ولا نرى الحصاد الذي لم يأت بعد. نرى الأبواب التي أُغلقت، ولا نعرف لماذا أُغلقت. نرى الدموع التي ذرفناها، ولا نعرف ماذا ستصنع فينا الأيام القادمة.

 

لكن الكتاب المقدس يعلّمنا أن الله لا ينظر إلى حياتنا من خلال لحظة واحدة. السنة كلها في يده؛ بدايتها ووسطها ونهايتها. وما يبدو لنا الآن مجرد تعب، قد يصبح بعد فترة جزءًا من قصة نكتشف فيها أن الله كان يقود خطواتنا حتى عندما لم نفهم الطريق.

 

ولعل أجمل ما في الآية أن الجود لا يأتي فيها بصورة محدودة، بل يقول: «وَآثَارُكَ تَقْطُرُ دَسَمًا». أي إن أثر عطية الله لا يتوقف عند لحظة واحدة، بل يمتد ويترك وراءه خيرًا وبركة. وكأن العطاء الإلهي لا يأتي فقط لينهي الألم، بل ليترك بعده أثرًا من الخير.

 

ومع بداية سنة قبطية جديدة، يصبح هذا المعنى أكثر قربًا إلى القلب. فنحن لا نبدأ سنة جديدة وكأننا نمحو ما مضى، بل ندخلها بكل ما حملناه من تجارب وذكريات وانتصارات وانكسارات. نحمل تعب السنوات الماضية، لكننا نحمل معه أيضًا رجاء أن تكون السنة الجديدة مساحة لجود الله ورحمته.

 

قد تكون السنة الماضية قد أخذت منك الكثير، وقد تكون قد علمتك أشياء لم تكن تتمنى أن تتعلمها، وربما تركت في قلبك أسئلة لم تجد لها إجابة بعد. لكن لا تجعل صعوبة ما مضى تجعلك تخاف مما هو آتٍ. فكما أن الأرض لا تعرف شكل حصادها وهي لا تزال تنتظر المطر، نحن أيضًا لا نعرف دائمًا ماذا يخبئ الله لنا في الأيام القادمة.

 

لذلك، إذا كنت تدخل السنة الجديدة وقلبك يحمل تعبًا من السنة الماضية، فلا تدخلها باليأس. ادخلها برجاء. ضع أمام الله كل ما لم تستطع تغييره، وكل ما لم تفهمه، وكل ما تتمنى أن يُصلح، وثق أن البداية الجديدة ليست مجرد تغيير في التقويم، بل فرصة جديدة لأن ترى جود الله في تفاصيل حياتك.

 

ولا أحد يعرف ماذا تحمل السنة القادمة، لكننا نستطيع أن نبدأها بقلب يقول: يا رب، إن كانت الأيام الماضية قد أتعبتني، فكلّل ما يأتي بجودك. وإن كان في الماضي ما كسرني، فامنحني في الجديد ما يجبرني. وإن كان هناك ما فقدته، فعوضني بما يتفق مع حكمتك ومحبتك.

ومع احتفالنا بعيد النيروز وبداية سنة قبطية جديدة، أتمنى أن تكون سنة خير وسلام وبركة على الجميع، وأن يمنح الله كل إنسان فيها تعويضًا عن تعبه، ورجاءً بعد انتظاره، وفرحًا بعد أحزانه، وأن يجعل أيامها أكثر امتلاءً بجوده ورحمته.

كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد النيروز وبداية السنة القبطية الجديدة، وكل سنة وأنتم في حماية الله، وكل سنة وآثار جوده تقطر خيرًا وبركة على حياتكم. 
TikTok: @pwagih

الجريدة الرسمية