الإصلاح يبدأ من هنا!
مصر لا ينقصها أن تعرف مواضع الخلل، فالخلل ظاهر، وأسبابه معروفة، وشكاوى الناس لا تحتاج إلى ميكروفون كي تُسمع، لكن بين معرفة الداء وصناعة الدواء مسافة هي عمر الإصلاح كله. لقد قطعت مصر شوطًا كبيرًا في بناء الطرق والمدن والموانئ ومحطات الكهرباء وشبكات النقل والبنية الأساسية. وهذه ثروة لا ينبغي التقليل منها. لكن البناء الحقيقي لا يكتمل بالحجر وحده.
لقد آن أوان بناء الإنسان، ورفع كفاءة الإدارة، وإطلاق طاقة المؤسسات. فما قيمة طريق حديث إذا تعطلت الخدمة عند نهايته؟ وما قيمة مبنى حكومي جميل إذا بقيت المعاملة رهينة مكتب؟ وما جدوى مشروع ضخم إذا غاب عنه التشغيل والصيانة وحساب النتائج؟ السؤال الآن ليس: ماذا سنبني؟ بل: كيف نجعل ما بنيناه يعمل بأعلى كفاءة؟ هنا تبدأ خريطة الإصلاح.
أول الطريق مواجهة الفساد وتجفيف منابعه. لا بمجرد اكتشاف المخالفة بعد وقوعها، وإنما بإغلاق أبوابها قبل أن تُفتح: رقمنة الخدمات، تقليل التعامل النقدي، توثيق القرارات، شفافية التعاقدات، وضوح الإجراءات، وربط قواعد البيانات والرقابة. فالفساد يختبئ حيث يطول الطريق، وتغيب المعلومة، وتتعدد الأبواب. قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
ثم تأتي معركة الإهمال. فليس كل هدر فسادًا، وليس كل خسارة سرقة. أحيانًا تضيع الموارد في بطء القرار، وضعف المتابعة، وسوء الصيانة، وغياب التنسيق. والدولة الرشيدة لا تنتظر الخطأ كي تعاقب صاحبه؛ بل تبني آليات تجعل الخطأ أقل احتمالًا. لكل مسؤول أهداف واضحة. ولكل هدف مؤشر. ولكل إنفاق نتيجة.
ولكل نتيجة حساب. ماذا استلم؟ ماذا أنجز؟ ماذا أنفق؟ وماذا تغير؟ هذه ليست أسئلة للخصومة، وإنما أبجديات الإدارة الحديثة. ثم نصل إلى المواطن. لماذا يحتاج صاحب الحق أحيانًا إلى الاستغاثة كي يحصل على حقه؟ هذه علامة تقول إن هناك حلقة تحتاج إلى الإصلاح.
قوة الدولة ليست في أن تصل كل شكوى إلى رأس الدولة، وإنما في أن تجد الشكوى طريقها الطبيعي إلى الحل داخل مؤسساتها. المحافظ يتابع. ورئيس الحي يحاسب. والوزير يقيس أداء قطاعه. والموظف يعرف أن الخدمة التي يقدمها قابلة للتقييم. وهنا يجب أن تتغير فلسفة الوظيفة العامة.
المواطن لا يقف على باب الموظف طالبًا منحة. إنه صاحب حق. قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالوظيفة العامة أمانة، والسلطة مسؤولية، والخدمة حق. نحتاج إلى دولة تختصر الخطوات بدل أن تضاعفها، وتنجز المعاملة بدل أن تستهلك صاحبها، وتكافئ الموظف الذي يفتح بابًا للناس، وتحاسب من يغلقه بلا سبب.
لكن لا إصلاح بلا اقتصاد. المصنع يجب أن ينافس العقار في الاهتمام، والتصدير أن يتقدم على الاستيراد، والإنتاج أن يسبق الاستهلاك. كل محافظة يجب أن تعرف ميزتها الاقتصادية. ماذا تنتج؟ ماذا تصدر؟ كم فرصة عمل توفر؟
وكل وزارة يجب أن تسأل: ما القيمة التي أضفتها؟ فالدول لا تصبح قوية بكثرة ما تملك، وإنما بكفاءة ما تنتج.
وهنا نحتاج إلى درس من تاريخنا.
لم تنهض الحضارة الإسلامية لأنها أغلقت أبوابها على نفسها، بل لأنها فتحت نوافذها على علوم العالم، ثم أضافت إليها. ترجمت، وناقشت، وصححت، واكتشفت، وأبدعت. حملت كتب الطب والفلك والرياضيات والفلسفة إلى آفاق واسعة، وكان انتقال جانب مهم من هذا التراث العلمي إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية وحركة الترجمة أحد الجسور التي أسهمت في انتقال المعرفة إلى الغرب، حيث التقت بظروف أوروبية أخرى صنعت لاحقًا عصر النهضة.
هكذا تكون الحضارة: تأخذ المعرفة، فلا تقلدها؛ وتتعلم، فلا تتوقف؛ وتضيف، فلا تكتفي. وهذه رسالة إلى مصر اليوم: لماذا لا تصبح جامعاتنا مصانع معرفة؟ لماذا لا يتحول البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية؟ لماذا يبقى الشاب منتظرًا وظيفة بدل أن يصبح صانع فرصة؟ ولماذا لا نأخذ من تجارب العالم أفضل ما فيها، ثم نصنع تجربتنا الخاصة؟
قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وقال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. إنها فلسفة كاملة: علمٌ يعمر، وعملٌ يبني، وعدلٌ يحفظ، وإدارةٌ تحسن استخدام الموارد. ومن هنا تأتي فكرة كشف الحساب. ليس كشف حساب سياسيًا، ولا موسمًا إعلاميًا، وإنما ثقافة دائمة.
ماذا وعدنا؟ ماذا أنجزنا؟ كم أنفقنا؟ ماذا تغير في حياة الناس؟ وأين أخفقنا؟ وكيف نصحح المسار؟ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا». فلماذا لا تصبح المحاسبة عادة مؤسسية؟
إن مصر تستطيع أن تحقق قفزة كبيرة خلال سنوات قليلة، إذا انتقلت من إدارة المشكلة إلى منع المشكلة، ومن رد الفعل إلى المبادرة، ومن الأشخاص إلى المؤسسات، ومن كثرة القرارات إلى جودة التنفيذ. لقد بنينا كثيرًا من مصر الجديدة في الأرض.
والتحدي الآن أن نبني مصر الجديدة في العقل والسلوك والإدارة. مصر لا تحتاج إلى معجزة. تحتاج إلى عمل متقن، وقانون عادل، وإدارة كفؤة، ومواطن محترم، ومسؤول يعرف أن المنصب تكليف لا تشريف. فالنهضة لا تبدأ حين نضع حجر الأساس لمشروع جديد.
النهضة تبدأ حين يصبح كل يوم في مصر خطوة إلى الأمام. وحينها فقط يتحول الإصلاح من كلام جميل إلى حياة تُرى في الشارع، وتُلمس في المصلحة، وتُقاس في المصنع، ويشعر بها المواطن. تلك هي خريطة الطريق: أن نبني دولة لا تنتظر الإصلاح كل صباح، لأنها جعلت الإصلاح جزءًا من طريقة عملها كل صباح.
ويبقى أخيرا.. إن الحديث عن التنمية بكلّ ألوانها ما لم يشعر بها الناس، وما لم تسهم في تحسين مستوى حياتهم تصبح كأنها لم تكن ولا تعدو كونها دخانا في الهواء.
