أيهما يحتاج إليه الناس: النائب حامل الطلبات أم صاحب الرسالة؟!
لا يمكن فهم جانب من الارتباك الذي نراه في الإدارة والخدمات اليوم بمعزل عن تراجع الدور الذي يفترض أن تقوم به المؤسسات الرقابية والتشريعية. فحين يضعف حضور البرلمان في التشريع والرقابة والمساءلة، تتمدد الأدوار في غير مواضعها، ويجد المواطن نفسه مضطرًّا إلى البحث عن حلول فردية لمشكلات يفترض أن تعالجها المؤسسات والقوانين.
ومن هنا يبدأ الخلل: يتحول النائب تدريجيًّا من ممثل للشعب يراقب الحكومة ويحاسبها إلى وسيط بين المواطن والجهاز التنفيذي، يحمل الطلبات من مكتب إلى آخر، بينما تظل أسباب المشكلة الأصلية قائمة. فهل وظيفة النائب أن يطارد طلب نقل وتكليف وتعيين، أم أن وظيفته أن يسأل: لماذا يحتاج المواطن أصلًا إلى واسطة كي يحصل على حقه؟
هذه الرؤية يطرحها الدكتور رضا عبد السلام، محافظ الشرقية الأسبق والنائب البرلماني، الذي يرى أن ما نعيشه هو «حصاد طبيعي لأوضاع خاطئة تراكمت على مدار سنوات»، ويقول إننا أخذنا النائب بعيدًا عن دوره الأساسي في التشريع والرقابة، وحولناه إلى ما يشبه «حامل طلبات» يتنقل بين الوزارات والهيئات لإنهاء مصالح فردية.
ويحذر عبد السلام من خطورة هذا الوضع؛ لأن النائب الذي يطلب من الوزير اليوم نقل موظف أو تعديل تكليف، كيف يستطيع أن يحاسبه غدًا؟ وكيف يقدم استجوابًا أو طلب إحاطة في حق وزارة، وهو مضطر في الوقت نفسه إلى مجاملة المسؤول لإنهاء طلبات دائرته؟
المشكلة -في رأيه- لا تقع على النائب وحده، فالمواطن أيضًا ساهم في تكريسها حين أصبح معيار نجاح النائب هو عدد الطلبات التي أنجزها، فإذا لم يعد بطلبات موقعة عاد إلى ناخبيه وكأنه لم يفعل شيئًا.. وهنا تضيع الحدود بين الخدمة العامة والوساطة، وبين النيابة والوظيفة التنفيذية.
ويرى عبد السلام أن غياب المجالس المحلية أحد أهم أسباب تفاقم الأزمة؛ فالمشكلات اليومية للمواطنين مكانها الطبيعي هو الإدارة المحلية، لا مكتب النائب ولا مكتب الوزير. وإذا عادت المحليات بصلاحيات حقيقية، يستطيع النائب أن يتفرغ لمهمته الأساسية، بينما تتولى المجالس المحلية احتياجات الناس في القرى والمدن والأحياء.
ويشير إلى أن كثيرًا من الأزمات لا تحتاج إلى طلب نائب بقدر ما تحتاج إلى إدارة تعمل كما ينبغي. ويضرب مثالًا بقطاع الصحة، حيث توجد مستشفيات قروية تحولت إلى مبانٍ متهالكة، بينما يضطر المواطن إلى السفر للمدن طلبًا للعلاج، كما تتكرر مشكلات تكليف الأطباء ونقلهم، فيتحول النائب إلى وسيط بدل أن يكون رقيبًا على السياسة الصحية نفسها.
ومن هنا تبدو خريطة الإصلاح واضحة: إعادة الاعتبار للبرلمان، وتفعيل دوره الرقابي والتشريعي، وإصدار قانون عصري للإدارة المحلية يعيد للمحليات دورها، وتطوير الجهاز الإداري بحيث يحصل المواطن على حقه من المؤسسة المختصة دون وسيط.
والأهم أن تتغير ثقافة الناخب؛ فلا يسأل نائبه فقط: «أنجزت لي ماذا؟»، وإنما يسأله: ماذا شرّعت؟ ماذا راقبت؟ ماذا حاسبت؟ وماذا غيرت في حياة الناس؟
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فالنيابة أمانة، والوزارة أمانة، والإدارة أمانة، وخدمة المواطن أمانة. وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا».
إننا لا نحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى تصحيح المسار: النائب إلى البرلمان، والوزير إلى وزارته، والمحليات إلى الشارع، والمواطن إلى حقه، والقانون فوق الجميع.. عندها فقط نستعيد التوازن المفقود، ويتحول البرلمان من محطة للطلبات الفردية إلى قلعة للتشريع والرقابة وحماية المصلحة العامة.
