الفقر حين يصبح فرصة لاستغلال الإنسان!
استغلال الإنسان للإنسان ليست مسألة جديدة؛ فمنذ أن ظهرت الملكية وتوزعت القوة والثروة، ظل الفقير هو الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك أدوات تغييرها. قليل التعليم، محدود الفرص، ضعيف الدخل، هش السكن والتغذية، كيف يستطيع أن يدافع عن نفسه أمام من يملك المال والنفوذ والقانون؟
ولهذا لم يكن الفقر-كما يقول الدكتور عبد الرحمن نجاح- مجرد نقص في المال، بل كان في كثير من الأحيان نقصًا في القدرة على المقاومة. ومن هنا نشأت صور العبودية القديمة، ثم تطورت أشكال الاستغلال، وبقي جوهرها واحدًا: إنسان يملك القوة، وآخر لا يملك إلا حاجته.
لكن التاريخ يعرف أيضًا أن النبل الإنساني يستطيع كسر هذه الدائرة. ولعل تجربة الاقتصادي البنجلاديشي محمد يونس وبنك الفقراء واحدة من أبرز النماذج؛ فقد بدأ بقرض صغير لفقراء لا تستطيع البنوك التقليدية الوصول إليهم، مؤمنًا بأن الفقير لا يحتاج إلى شفقة بقدر ما يحتاج إلى فرصة. تحولت الفكرة إلى تجربة واسعة، وأثبتت أن تمكين الفقير يمكن أن يكون طريقًا إلى الخروج من الفقر، لا وسيلة لإدامته.
أما المأساة حين تتحول الفكرة نفسها إلى أداة للنهب. عندما يصبح الإقراض بابًا لإغراق الفقير في الديون، وتتحول الجمعيات إلى وسطاء لاستغلال حاجته، ويصبح الضعف الاجتماعي للمرأة أو الأرملة أو الشاب محدود الدخل فرصة للابتزاز، فنحن لم نعد أمام اقتصاد يخدم الإنسان، بل أمام اقتصاد يتغذى على عجزه.
ولا يقتصر الأمر على المال. قد يُستغل المريض حين ترتفع كلفة العلاج، ويُستغل الطالب حين يتحول التعليم إلى عبء لا يحتمله الفقير، ويُستغل المواطن حين تتراكم عليه الرسوم والخدمات التي يفترض أن تكون أدوات للحماية الاجتماعية. وحتى العمل، الذي يفترض أن يكون طريقًا للكرامة، قد يتحول إلى وسيلة لاستنزاف المحتاج إذا غابت العدالة.
المشكلة إذن ليست في وجود الأغنياء، ولا في نجاح أصحاب الأعمال، ولا في الربح المشروع؛ وإنما في أن يصبح ضعف الفقير مصدرًا للربح، وأن تتحول حاجته إلى سلعة، وعجزه عن الرفض إلى ترخيص دائم لاستغلاله. فالعدالة الاجتماعية ليست أن نعطي الفقير صندوقًا في موسم، أو كرتونة في مناسبة، أو نضعه في طابور طويل للحصول على صدقة. تلك قد تسد جوعًا عابرًا، لكنها لا تهزم الفقر.
محاربة الفقر تبدأ من مكان آخر: تعليم جيد، وعمل كريم، وأجر عادل، وعلاج يحفظ كرامة المريض، وقانون يحمي الضعيف، وفرصة حقيقية للشاب كي يصنع مستقبله. المجتمع العادل ليس الذي يكثر فيه المتصدقون، بل الذي يقل فيه المحتاجون إلى الصدقة. والدولة العادلة ليست التي تمنح الفقير ما يبقيه حيًا، بل التي تمنحه ما يجعله قادرًا على أن يعيش بكرامة.
ويبقى السؤال الأهم: هل الأخلاق التي نتحدث عنها في الخطب والكتب والمواثيق مجرد كلمات جميلة، أم تتحول إلى ممارسة يومية وقانون عادل ومؤسسات نزيهة؟ لأن الفقر لا يهزمه الكلام، ولا تهزمه الصدقات وحدها؛ يهزمه العدل حين يصبح نظامًا، والعمل حين يصبح حقًا، والفرصة حين تصبح متاحة للجميع.
وحين يشعر الشاب الفقير أن النجاح ممكن، وأن القانون يحميه، وأن وطنه ليس ساحة محفوظة للكبار والأقوياء، نكون قد بدأنا فعلًا في بناء مجتمع لا يستغل الفقير، بل يحرره من الفقر.. فالكرامة ليست منحةً للفقراء؛ الكرامة حقٌّ لكل إنسان.
