غش الميزان.. أم اختلال الإنسان (1-2)
ماذا يمكن أن نسمي واقعة يُضبط فيها الفحم النباتي وقد تحول إلى لون أسود يُستخدم بدلًا من الكاكاو في صناعة البسكويت، إلى جانب خامات فاسدة وألوان غير صالحة للاستخدام؟ هل هي مجرد واقعة غش غذائي تنتهي بانتهاء المحضر، أم أنها تكشف شيئًا أخطر عن مجتمع يتسع فيه هامش الغش حتى يصل إلى ما يأكله الناس ويشربونه ويتداوون به؟
إن الغش ليس مجرد صورة من صور الفساد؛ إنه أخطرها حين يتحول من جريمة يخجل منها صاحبها إلى سلوك يتعايش معه المجتمع. فالذي يضع الفحم بدلًا من الكاكاو لا يغش في سلعة فحسب، وإنما يضع صحة الناس في ميزان الربح والخسارة. وحين يصبح الإنسان مستعدًا للمخاطرة بصحة الآخرين من أجل زيادة مكسبه، فإن القضية تتجاوز المصنع والتاجر إلى ضمير المجتمع كله.
والواقعة تفتح الباب لسؤال أكثر إزعاجًا: كيف وصلنا إلى أن يصبح خداع المستهلك ممكنًا إلى هذا الحد؟ ولماذا يجد الغش من يبرره، أو يتعامل معه باعتباره شطارة؟
لا يكاد يمر يوم دون أن نقرأ عن غش في الطعام أو الدواء أو السلع أو الامتحانات أو الخدمات. تتغير الصور، لكن الجوهر واحد: إنسان يأخذ ما لا يستحقه عن طريق خداع إنسان آخر.
في التجارة: وزن ناقص، ومكونات مخفية، وسلعة أقل من المعلن عنها. وفي الصحة: منتج غير مطابق أو دواء مغشوش قد يدفع المريض ثمنه من صحته. وفي التعليم: طالب يريد درجة لا يستحقها، فيأخذ مكانًا قد يكون من حق زميل أكثر اجتهادًا. وفي الوظيفة: موظف يزوّر أو يتلاعب أو يهدر وقت الناس وحقوقهم.
وهنا يثور سؤال: لماذا يستشري الغش؟ السر في الأخلاق، فحين يضعف الوازع الأخلاقي، ويصبح المال معيار النجاح الوحيد، وحين يطمئن المخالف إلى ضعف الرقابة أو بطء العقوبة، وحين تتحول الفهلوة إلى ذكاء، والتحايل إلى شطارة، يصبح الغش أكثر من مخالفة؛ يصبح ثقافة قابلة للانتقال.
ويزداد خطره حين يشعر الأمين أنه يدفع ثمن أمانته. فماذا يفعل التاجر الذي يلتزم بالمواصفات إذا كان منافسه يخفض التكلفة بالغش؟ وماذا يفعل الطالب المجتهد إذا رأى الغش يساوي درجته؟ وماذا يفعل الموظف النزيه إذا أصبح التحايل أقصر طريق للمصلحة؟
القرآن الكريم حسم القضية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. وحين مر النبي ﷺ على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، قال لصاحبها: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني» رواه مسلم.
لم تكن المشكلة في البلل، وإنما في إخفائه. وهنا جوهر الغش: أن تعرف الحقيقة وتخفيها عمن له الحق في معرفتها.
والأخطر أن الغش يبدأ صغيرًا: ميزان ناقص، معلومة مخفية، درجة لا يستحقها طالب، توقيع في غير موضعه. ثم تأتي العبارة الشهيرة: «كل الناس بتعمل كده». وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والخطأ إلى عرف، والفساد إلى شطارة.
فهل يمكن أن يقوم اقتصاد بلا ثقة؟ وهل يمكن أن ينجح تعليم إذا لم تكن الشهادة تعني الكفاءة؟ وهل يمكن أن يطمئن المريض إلى دوائه إذا أصبح الربح فوق سلامته؟
إن المشكلة ليست في الغشاش وحده، وإنما في البيئة التي تجعله ممكنًا ومربحًا وأحيانًا مقبولًا. وأخطر ما نصل إليه أن يصبح السؤال: هل سأُضبط؟ بدلًا من هل ما أفعله صحيح؟. عندها لا يعود الخطر في الفحم الذي وُضع في البسكويت، ولا في السلعة المغشوشة وحدها.
الخطر أن يتحول الغش من فعلٍ يُرتكب سرًا إلى ثقافةٍ تُمارس علنًا. ومن هنا يبدأ السؤال الأكبر: إذا كان القانون قادرًا على ضبط المخالف، فهل يستطيع وحده أن يصنع إنسانًا لا يريد أن يغش؟ والأهم: هل يستجدى ضمير الناس للكف عن الغش؟! وهذا موضوع مقال الغد إن شاء الله
