رسم على الماء
سارت ويدها تحتضن يده التي وعدتها بأمان قادم.. والخطوات ترسم الأحلام بحياة هادئة.. والعيون تنظر إلى نهاية الطريق وهي ترى الجنة.. وخفق قلبها بحب بكر لم تعشه من قبل.. رأت فيه جبرًا لكل انكسار عاشته.. وكل يوم ذاقت مرارته.. وكل فشل تمنته نجاحًا وبخلت به الدنيا، وكل سعادة كانت في حياتها مجرد حلم.. وكل غالٍ تركها بالرحيل.
ثم سمعت صوتًا قادمًا من نهاية ممر طويل ينادي عليها ويقول: يا مدام استعدي دورك اقترب.. تنظر حولها لتجد نفسها مجرد رقم في قائمة قضايا اليوم بمحكمة الأسرة.. التي عاشت في طرقاتها شهورًا حسبتها أضغاث أحلام.
أنهت المطلوب وتركت المكان.. قادتها قدماها لكل طريق سارا فيها معًا فوجدت الأحلام مبعثرة وقد دهستها الحقائق التي غفلت عنها.. والأمان وقد سرقه لص لم تستطع أن تميز ملامحه من كثرة ما على وجهه من أقنعة.. والحياة وقد استحالت موتًا..
وبعد طول سير مؤلم توقفت قدماها لتجد نفسها صورة في زجاج أحد المحال تدقق في الصورة.. تحاول التركيز في الملامح والعيون فإذا بها تجد امرأةً اخرى لا تعرفها ولا حتى تريد، التجاعيد لم تصب الشكل بل القلب والنفس.. رأت السوء وقد طرد الحسن بكل قسوة.. رأت السماء التي رفعها هو إلى عنانها تبكي على أشلائها بعد السقوط.. وتذكرت تلك الرسائل التي كانت ترسل لها من القدر وغضت الطرف عنها.
ووسط زحام الانكسار وفتات الروح شعرت بحبات المطر تسقط فوق رأسها، ثم تنهمر لتحول الطرقات إلى مرايا تعكس صورة اليدين التي كانت تحتضن كل منهما الأخرى، وقد باتت واحدة. ودون أن تدري دهستها بقدميها وهي تحمل فوق كتفها الواهن نفسها الكسيرة، لتكمل مضطرة طريق حياتها بعدما أدركت أن الفائت من سنوات العمر لم يكن إلا رسم على الماء.
