رئيس التحرير
عصام كامل

الحذاء القديم

18 حجم الخط

كان شاب يستعد للسفر إلى مدينة جديدة ليبدأ عمله الأول. وفي ليلة السفر، جلس يرتب أشياءه بعناية، يضع الملابس الجديدة، والعطور، وكل ما يليق ببداية حياة مختلفة. وبينما هو كذلك، وقعت عينه على حذاء قديم موضوع في زاوية الغرفة، كان حذاءً باهت اللون، متآكل الأطراف، يحمل آثار سنوات طويلة من الاستخدام. 

 

تردد قليلًا.. ثم حمله، وتأمله. تذكر أنه كان يرتديه في أيام دراسته، وفي أول مقابلة عمل له، وفي مشاوير كثيرة لم يكن يملك فيها غيره. لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال في نفسه: لا يليق بي الآن.. أنا داخل على حياة جديدة. وألقاه جانبًا، وأكمل ترتيب حقيبته بأناقة.

 

في اليوم التالي، سافر الشاب. وفي أول أيام عمله، كان حريصًا أن يظهر بأفضل صورة.. ملابس أنيقة، حذاء جديد لامع، وكلمات محسوبة. لكن مع مرور الأيام، بدأ يشعر بثقل غريب. كان كل شيء يبدو مثاليًا من الخارج.. لكنه من الداخل لم يكن مرتاحًا. يحاول أن يُرضي الجميع، يتكلم بطريقة ليست طريقته، ويخفي أشياء كثيرة من نفسه، فقط ليبدو كما يجب أن يكون.

 

وفي أحد الأيام، عاد إلى غرفته مرهقًا جدًا. جلس على السرير، ونظر إلى حذائه الجديد.. ثم فجأة، تذكر الحذاء القديم. لا يعرف لماذا.. لكنه شعر باشتياق غريب له، كأنه لم يكن مجرد حذاء.. بل كان نسخة حقيقية منه، نسخة بسيطة.. صادقة.. لا تتكلف.

 

وفي إجازة قصيرة، عاد إلى بيته القديم. دخل غرفته، وذهب مباشرة إلى الزاوية التي ترك فيها الحذاء. وجده كما هو. انحنى، وأمسكه ببطء.. ومسح عنه بعض الغبار. ثم جلس وهو ينظر إليه طويلًا.. وقال بهدوء: يمكن ما كانش شكله حلو.. بس كان أنا.

في الأيام التالية، لم يعد الشاب كما كان. لم يترك أناقته.. لكنه توقف عن التمثيل. لم يعد يحاول أن يكون نسخة ترضي الجميع.. بل بدأ يكون نفسه، حتى لو لم تعجب البعض. واكتشف شيئًا مهمًا: أن الراحة لا تأتي من الشكل الجديد.. بل من الصدق القديم.

عزيزي القارئ: ليس كل ما تتركه خلفك يجب أن تنساه.. فأحيانًا، وأنت تحاول أن تبدأ حياة جديدة، تترك أهم شيء كان يميزك.. نفسك الحقيقية.

الجريدة الرسمية