رئيس التحرير
عصام كامل

الجمعة العظيمة.. حبٌّ صُلِب ليهبنا الخلاص

18 حجم الخط

في الجمعة العظيمة، لا نقف أمام مشهد ضعف، بل أمام إعلان حب لا يُقاس. فالمسيح لم يُصلَب لأنه عاجز عن الهروب، ولا لأنه غُلب من الناس، بل لأنه اختار بإرادته أن يحمل آلامنا، ويأخذ موضعنا، ويفتح لنا باب الخلاص. لذلك يقول الكتاب: «لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ» (يو 15: 13). وعلى الجلجثة، لم نرَ إنسانًا يُهزم، بل رأينا إلهًا يحب حتى المنتهى.

وفي وسط هذا الألم كله، خرجت من فم المسيح كلمات لا تزال تهز القلب: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لو 23: 34). وهنا نتعلم أن الغفران ليس ضعفًا، بل قوة تفوق الوجع. فالمسيح، وهو معلّق على الصليب، لم يرد الإساءة بإساءة، بل واجه الكراهية بالمحبة، والجراح بالغفران. وكأنه يعلّمنا أن القلب المملوء بالله لا تكسره المرارة، بل ينتصر بالمحبة.

وعلى الجلجثة أيضًا، جُرح رب المجد، لكي يشفي كل قلب مكسور. فالذي احتمل المسامير، يعرف وجعنا. والذي عبر طريق الألم، يقدر أن يعزّي كل متألم. لذلك يقول الكتاب عنه: «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا.. وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا» (إش 53: 5). فالصليب لم يكن مجرد حدث تاريخي، بل كان باب شفاء، وباب رجاء، وباب عودة لكل نفس ظنت أن الطريق قد انتهى.

وفي الساعة السادسة من يوم الجمعة العظيمة، تردّد الكنيسة كلمات اللص اليمين: «اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ» (لو 23: 42). لم يكن هذا اللص صاحب ماضٍ مثالي، ولا حياة خالية من السقوط، ولكنه في لحظة صدق، فتح قلبه للمسيح، واعترف به ملكًا وهو على الصليب. وهنا تظهر عظمة الرجاء: أن باب التوبة لا يُغلق أمام القلب الصادق، مهما تأخر، ومهما كانت أخطاؤه.

فالذي فرّق في حياة اللص اليمين لم يكن ماضيه، بل صدقه في لحظة الرجوع. لم يكن عنده وقت طويل ليصلح كل شيء، لكن كان عنده قلب منكسر، وإيمان بسيط، وصرخة خرجت من العمق. فاستجاب له المسيح فورًا، وقال له: «اَلْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ» (لو 23: 43). وكأن الرب يعلن لنا أن التوبة الحقيقية لا تُقاس بطول الزمن، بل بصدق القلب.

ومن هنا، تعلّمنا الجمعة العظيمة أن الخلاص ليس للمثاليين، بل للراجعين. ليس لمن لم يسقطوا أبدًا، بل لمن عرفوا أن يعودوا. فالرب لا يقف عند ماضي الإنسان، بل ينظر إلى قلبه الآن: هل عاد؟ هل انكسر؟ هل اشتاق؟ وهل يريد أن يبدأ من جديد؟ لأن الله لا يفرح بماضيك، ولا يحكم عليك من خلاله، بل يفرح برجوعك إليه.

لذلك، في الجمعة العظيمة، لا تقف فقط متأملًا الصليب من بعيد، بل اقترب منه بقلبك. ضع عند قدمي المسيح وجعك، وضعفك، وماضيك، وخوفك. وقل له مع اللص: اذكرني يا رب. وحينئذ ستكتشف أن الصليب لم يكن علامة حزن، بل علامة حبٍّ اختار الألم لأجلك، لكي لا تضيع. وأن الذي صُلِب على الجلجثة، ما زال حتى اليوم يفتح حضنه لكل قلب صادق، ويمنحه غفرانًا، وشفاءً، وخلاصًا لا يزول.

الجريدة الرسمية