رئيس التحرير
عصام كامل

سبت الفرح.. صمتٌ يحمل انتصارًا

18 حجم الخط

يبدو سبت الفرح في ظاهره يومًا هادئًا، بلا أحداث ظاهرة، كأن كل شيء قد توقّف بعد آلام الصليب. فالمسيح قدّم الفداء، وأسلم الروح، ووُضع في القبر. والصمت يخيّم على المشهد. ولكن هذا الهدوء الخارجي لا يعني أن العمل قد توقف، بل على العكس، كان في العمق عمل إلهي عظيم يتم في الخفاء.

 

فالكنيسة لا تسمّيه يوم سكون، بل سبت الفرح، لأن ما لا تراه العين كان أعظم مما تراه. ففي الوقت الذي بدا فيه القبر مغلقًا، كان الرب يعمل عمل الخلاص في موضع آخر. لذلك يقول الكتاب: «الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ» (1 بط 3: 19). لم يكن المسيح في هذا اليوم ساكنًا بلا عمل، بل كان يدخل إلى أعماق الظلمة ليُعلن النور.

 

والإيمان يعلّمنا أن المسيح نزل إلى الجحيم، لا كضعيف، بل كملك غالب. دخل ليكسر الأبواب، ويقيّد العدو، ويحرّر النفوس التي رقدت على الرجاء. وكما يقول الكتاب: «إِذْ صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا، وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا» (أف 4: 8). فهو لم يذهب ليشارك في الهزيمة، بل ليعلن النصرة، ويحوّل موضع الأسر إلى بداية حرية.

 

وهكذا صار سبت الفرح يوم انتصار مخفي. لا ضجيج فيه، ولا مظاهر خارجية، ولكن فيه عمل عميق يغيّر المصير. وهذا ما تحتاج النفس أن تفهمه: أن الله لا يعمل دائمًا بطريقة منظورة، بل كثيرًا ما يعمل في الخفاء، بينما الإنسان يظن أن كل شيء ساكن. ولكن في تدبير الله، الصمت لا يعني الغياب، بل قد يكون بداية عمل أعظم.

 

ولهذا يحمل هذا اليوم رسالة قوية لكل إنسان يمرّ بوقت هدوء ثقيل، أو انتظار طويل، أو صمت يبدو بلا معنى. فربما لا ترى تغييرًا، ولكن هذا لا يعني أن الله لا يعمل. وربما تبدو الأبواب مغلقة، ولكن هذا لا يعني أن النهاية قد جاءت. لأن الله يعمل حتى حين لا نرى، ويهيئ الطريق حتى في لحظات السكون.

لذلك، سبت الفرح يدعونا إلى الثقة. أن نثق أن بعد السكون مجد، وبعد القبر قيامة. وأن ما يبدو نهاية، قد يكون في الحقيقة بداية. فالله الذي عمل في الخفاء يوم السبت، هو نفسه يعمل في حياتك الآن، حتى لو لم ترَ. فقط تمسّك بالإيمان، وانتظر، لأن الفجر آتٍ، والقيامة قريبة، والفرح الذي أُعدّ لك أعظم مما تتصور.

الجريدة الرسمية