ولكم في جبر الخواطر حياة!
المرض ليس مجرد عارضٍ جسدي، بل لحظة انكشافٍ كاملة لضعف الإنسان؛ لحظة تتهاوى فيها صلابة الجسد، ويعلو صوت الحاجة إلى الرحمة فوق صوت الألم، وهناك، عند أسِرّة المرضى، يُطرح السؤال الأكثر صدقًا: أين يقف الدين من هذا المشهد؟ هل يقف عند حدود الطقوس، أم يمتد ليصير يدًا تمسح الدموع وقلبًا يجبر الخواطر؟
إن أعظم مأساة يمكن أن تُصيب التدين أن يتحول إلى طقوسٍ صامتة لا يسمعها أنين المرضى ولا يشعر بها وجع المحتاجين، فالعبادة التي لا تفيض رحمةً على الناس تبقى عبادة ناقصة الروح، مهما اكتملت صورتها الظاهرة.
ولهذا جاء القرآن صادمًا في بيانه، حين لم يجعل تكذيب الدين إنكارًا لفظيًا، بل سلوكًا قاسيًا حين قال: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ". كأن النص يعلن أن قسوة القلب على الضعفاء لونٌ من ألوان إنكار الدين، حتى لو امتلأ اللسان بالتسبيح.
ثم تأتي الصدمة الثانية في قوله تعالى: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ"، لا لتقليل شأن الصلاة، بل لرفع شأنها إلى مقام الروح الحية التي تثمر رحمة وعدلًا. فالصلاة التي لا تمنع صاحبها من القسوة، ولا تدفعه إلى مواساة المحتاج، تتحول إلى حركة جسدية فقدت معناها العميق. إن العبادة في الإسلام ليست انفصالًا عن الحياة، بل هي إعادة تشكيل للحياة على صورة الرحمة.
ولذلك، حين وُصف النبي ﷺ، لم تُذكر عبادته أولًا، بل ذُكر أثرها في الناس. قالت خديجة رضي الله عنها تصف جوهر شخصيته: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". كان التدين عنده فعل نجدةٍ دائم، لا حالة روحانية معزولة. كان يرى في خدمة الضعيف طريقًا إلى الله، وفي جبر الخواطر عبادة لا تقل شأنًا عن الصلاة والصيام.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي جعل المسلمين يومًا "خير أمة أخرجت للناس"؟ لم تكن الخيرية لقبًا تاريخيًا، بل كانت وظيفة حضارية؛ أمة خرجت للناس لا على الناس، تحمل إليهم النور حين يظلمون، والعدل حين يُظلمون، والرحمة حين يتألمون. لقد فهمت تلك الأمة أن التدين الحقيقي لا يُقاس بمدى حضور الإنسان في دور العبادة فقط، بل بمدى حضوره في معاناة البشر.
وقد تجسد هذا الفهم في تاريخٍ طويل من مؤسسات الرحمة التي أنشأها المسلمون؛ أوقاف تعالج المرضى، وتكفل الأيتام، وتطعم الجائعين، حتى صار الإحسان منظومة اجتماعية لا مبادرات فردية عابرة. كان المجتمع يعيش التدين بوصفه شبكة أمان إنساني تحمي الضعفاء من السقوط في هاوية الفقر أو المرض أو العجز.
لكن الواقع المعاصر يكشف عن مفارقة موجعة؛ إذ اتسعت مساحة الشعائر في حياة كثيرين، بينما ضاقت مساحة الرحمة في تعاملاتهم اليومية. صار بعض الناس يؤدي العبادة في أوقاتها، لكنه يتعامل مع معاناة الآخرين وكأنها شأن لا يعنيه، وكأن الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه، لا رسالة أخلاقية تمتد إلى المجتمع كله. وهنا يكمن الخلل؛ فالإسلام لم يُرد للعبادة أن تكون ملاذًا فرديًا من العالم، بل أرادها طاقة إصلاحٍ تعيد تشكيل العالم نفسه.
شهر رمضان على الأبواب، وهو فرصة كبرى لاستعادة المعنى المفقود. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام بقدر ما هو تدريب على الإحساس بالجائعين، والزكاة ليست خصمًا ماليًا بل إعادة توزيع للرحمة داخل المجتمع، والقيام ليس مجرد قيام ليل، بل قيام ضميرٍ يوقظ في الإنسان مسؤوليته تجاه الآخرين. رمضان هو الموسم الذي يُعيد ضبط بوصلة القلب، ليذكر الإنسان أن أقرب الطرق إلى الله تمر عبر خدمة خلقه.
المرضى تحديدًا يمثلون الامتحان الأكثر قسوة لصدق التدين، فهم يقفون عند أقصى درجات الاحتياج الإنساني؛ بين ألم الجسد ووحشة النفس وخوف المصير. ومواساتهم ليست ترفًا أخلاقيًا، بل واجب ديني وإنساني، لأن لحظة المرض تختصر هشاشة الإنسان كلها، وتكشف حاجته العميقة إلى من يشعر به لا إلى من يراقبه من بعيد.
آن الأوان أن نعيد طرح السؤال على أنفسنا بصدق: هل نصلي لأنفسنا فقط، أم نصلي لنصبح أكثر رحمة بالناس؟ هل نصوم لنحتمل الجوع ساعات، أم لنتعلم كيف نمنع الجوع عن غيرنا؟ وهل نريد دينًا يُريح ضمائرنا، أم دينًا يُنقذ إنسانيتنا؟
الدين حين يُختزل في الطقوس يفقد قدرته على تغيير الواقع، لكنه حين يتحول إلى رحمةٍ تسري في العلاقات والمعاملات يصبح قوة حضارية تبني الإنسان والمجتمع معًا. وحين تصبح يدُك التي تمتد إلى مريض، أو صدرك الذي يحتمل شكوى محتاج، امتدادًا لصلاتك وصيامك، هناك فقط يولد التدين الحقيقي، وتولد معه السعادة التي لا تُشترى بالمال ولا تُقاس بالمظاهر، بل تُولد في تلك اللحظة الصافية التي يشعر فيها إنسانٌ ضعيف أن الله أرسل إليه من يربّت على ألمه ويقول له: لست وحدك.
