رئيس التحرير
عصام كامل

حليم ودياب وبينهما إبراهيم عيسى!

18 حجم الخط

السؤال الجوهري الذي تفرضه تصريحات إبراهيم عيسى في مقارنته العجيبة بين عبدالحليم حافظ وعمرو دياب ليس: من الأشهر؟ بل بأي معيار حَكم؟ وكيف يمكن أصلًا قياس شعبية حليم في زمن لم تكن فيه منصات رقمية، ولا عدّادات استماع، ولا خوارزميات ترويج، ثم مقارنتها بنجم يعيش في عصر السوق المفتوح والإعلام الكوني الذي بات كل شيء عند أطراف الأصابع؟


كيف استطاع عيسى أن يقيس شعبية حليم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث كانت الأغنية تُذاع مرة واحدة في الأسبوع، فيصغي لها الملايين في توقيت واحد، وتتحول إلى حدث قومي؟ وبأي أداة قارن هذا التأثير الجمعي العميق بمشاهدات فردية متفرقة في زمن السماعات الشخصية والاستهلاك السريع؟


ثم ما هو معيار الأهمية الذي استند إليه؟ هل هو عدد الأغاني أم عدد اللغات أم الانتشار العالمي أم القرب أو البعد من السلطة؟! وإن كان كذلك، فلماذا تُستبعد معايير أكثر جوهرية مثل تنوع التجربة الغنائية، وعمق التأثير الوجداني، والقدرة على تمثيل جيل كامل بل أجيال متعاقبة في حالة العندليب الأسمر والتعبير عن أحلامهم وانكساراتهم ومشاعرهم؟


عبد الحليم لم يكن نجم حفلات فقط، بل صوت مرحلة تاريخية كاملة؛ غنّى في لحظات النصر والانكسار، في الفرح العام والحزن الجمعي، في الإيمان والوجد والتأمل. فكيف تُقارن هذه الوظيفة الفنية العميقة بتجربة اختارت -عن وعي- الابتعاد عن هذا النوع من الالتزام الفني؟ وهل يمكن فصل الحكم الفني عن السياق؟


عبد الحليم عاش في زمن كانت فيه الأغنية جزءًا من تشكيل الوعي العام، بينما يعيش عمرو دياب في عصر تُدار فيه النجومية بمنطق السوق، حيث الانتشار لا يعني بالضرورة الرسوخ، والنجاح اللحظي لا يساوي الخلود. 

ثم سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كان المعيار هو الشعبية، فلماذا لا ننتظر مرور الزمن؟ أليس التاريخ وحده هو الحكم العادل؟ عبد الحليم تجاوز امتحان الزمن بنجاح، بينما لا تزال تجربة عمرو دياب -بكل إنجازاتها- قيد التقييم التاريخي.


إن طرح المقارنة دون تحديد معايير واضحة، أو تجاهل الفروق الزمنية والثقافية، يحوّل النقد من فعل معرفي إلى رأي انطباعي، ويختزل الفن في أرقام، ويُفرغ التاريخ من معناه. فالفن الحقيقي لا يُقاس بالعداد.. بل بالبقاء والخلود في وجدان الناس جيلا بعد جيل!

وفي النهاية أقول لإبراهيم عيسي. كفاك إثارة للجدل بمنطق "خالف تعرف".. عبدالحليم حافظ لم يقلد أحدا. ولكن الجميع يقلدونه. حليم رحل بجسده لكنه باق بيننا بأغانيه الوطنية والدينية والعاطفية التي يصعب تكرارها!

الجريدة الرسمية