قنطار ذهب أم قنطار مسئولية؟!
حين تتعاظم أعباء الحياة وتتزاحم التحديات أمام الشباب ينبغي التماس الحلول في الفهم المستنير للشرع الحكيم، فالزواج مثلًا يظلّ رغم صعوبته في أيامنا هذه أحد أهم المحطات التي تتشكل عندها ملامح الاستقرار النفسي والاجتماعي، غير أنّ هذه المحطة كثيرًا ما تتحول من بداية حلمٍ جميل إلى معبرٍ مثقل بالعقبات..
بسبب مفاهيم اجتماعية تبتعد أحيانًا عن روح الشريعة ومقاصدها في بناء الأسرة. وهنا تبرز قضية المهور بوصفها واحدة من أبرز القضايا التي تحتاج إلى إعادة قراءة واعية تستلهم روح الدين ولا تتقيد بقشوره.
يقول الإمام الأكبر شيخ الأزهر: ولخطر المغالاة في المهور على بناء الاسرة في المجتمع عزم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مرة على سنّ قانون يحدد المهور عند مستوى يستطيعه عامة الناس ومهد لذلك بخطبة قال فيها: ألا لا تغالوا في المهور فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق امرأة (أي ما دفع صداقا لامرأة من زوجاته) قط من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية فمن زاد منكم على أربعمائة شيئًا جعلت الزيادة في بيت المال..
غير أن عمر ما لبث أن تراجع عن المضي في تنفيذ فكرته هذه حين وقفت له امرأة قرشية قالت له: ليس ذلك إليك يا عمر، فقال: ولمَ؟ فقالت لأن الله تعالى يقول: "وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا..." فما كان من عمر إلا أن قال: اللهم عفوا أخطأ عمر وأصابت امرأة..
والآية لا تدعو لزيادة المهور أو الغلو في قيمتها ولكنها من باب التشديد على أن المهر حق خالص للزوجة لا يجوز لزوج أن يأخذ منها لا قليلًا ولا كثيرًا حتى لو كان ما دفعه لزوجته قنطارًا من ذهب فالآية جاءت على سبيل المبالغة في تحذير الزوج من أن تمتد يده إلى مهر زوجته.
إن هذه الواقعة التاريخية لا تكشف فقط عن عمق الفقه الإسلامي في تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، بل تفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل يفهم شباب اليوم مراد الشرع من المهور؟ وهل تحوّل المهر من رمز للتكريم والتقدير إلى وسيلة للتفاخر الاجتماعي وإثقال كاهل المقبلين على الزواج؟ وهل يدرك البعض أن المغالاة في المهور قد تكون سببًا مباشرًا في تعطيل الزواج أو تحميله منذ بدايته أعباءً مادية تضغط على استقراره النفسي والأسري؟
كما يطرح الواقع سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل يحافظ الأزواج بالفعل على حقوق الزوجات في المهور باعتبارها حقًا شرعيًا خالصًا لهن؟ فالشريعة التي شددت على عدم المغالاة في المهور، شددت كذلك على صيانة هذا الحق وعدم المساس به، لأن المهر ليس ثمنًا للمرأة ولا مقابلًا للزواج، بل هو رمز للتقدير والالتزام وبداية لعلاقة تقوم على الاحترام المتبادل.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من الشباب، يصبح من الضروري أن يسأل المجتمع نفسه بصدق: هل يمكن أن يكف البعض عن المغالاة في المهور تيسيرًا على الشباب؟ وهل يمكن للأسر أن تدرك أن السعادة الزوجية لا تُقاس بحجم المهر ولا بعدد التجهيزات، وإنما بقدرة الزوجين على بناء حياة قائمة على التفاهم والرحمة والمودة؟
لقد قدّمت الشريعة نموذجًا متوازنًا حين جعلت أقلّ الزواج مؤنة هو أكثره بركة، وهي قاعدة اجتماعية ونفسية قبل أن تكون توجيهًا دينيًا، لأن الزواج حين يبدأ بتيسير ورحمة يكون أكثر قدرة على الصمود أمام تحديات الحياة. أما حين يبدأ بمغالاة وتكلف، فإنه كثيرًا ما يزرع بذور التوتر والضغوط التي قد تنعكس لاحقًا على استقرار الأسرة.
إن شباب اليوم بحاجة إلى إعادة فهم فلسفة الزواج في الإسلام، بوصفه شراكة حياة لا صفقة مادية، وبوصفه مشروع استقرار لا مناسبة اجتماعية للتفاخر أو المباهاة. وهم في الوقت نفسه بحاجة إلى شجاعة مجتمعية تعيد ترتيب الأولويات، فتجعل معيار الاختيار قائمًا على الأخلاق والقدرة على تحمل المسؤولية، لا على القدرة المالية وحدها.
كما أن الرسالة لا تقل أهمية بالنسبة للآباء والأمهات، فهم حجر الأساس في تشكيل ثقافة الزواج داخل المجتمع. فالاعتدال في طلب المهور والتجهيزات ليس تنازلًا عن حقوق الأبناء أو البنات، بل هو استثمار حقيقي في استقرارهم النفسي والاجتماعي. والرحمة في هذا الباب قد تكون سببًا في بناء بيوت عامرة بالمودة، بينما قد تكون المغالاة سببًا في تعطيل الزواج أو خلق أزمات مالية تضرب استقرار الأسرة منذ بدايتها.
فالبيوت لا تُبنى على كثرة ما يمتلكه الأبناء، وإنما تُبنى على السكينة والرحمة والستر والبركة، وهي قيم حين تغيب تتحول المنازل إلى مجرد جدران بلا دفء، وعلاقات بلا استقرار. وربما كان استلهام روح الشريعة في تنظيم حياتنا الزوجية هو الطريق الأقرب لإعادة التوازن إلى مجتمع أنهكته المظاهر وأثقلته الحسابات المادية.
إن العودة إلى الاعتدال في المهور ليست دعوة إلى التقليل من قيمة المرأة، بل هي دعوة إلى صون كرامتها داخل منظومة أسرية مستقرة، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة أن الزواج رسالة إنسانية واجتماعية سامية، لا مجرد التزام مالي ثقيل.
وبين وعي الشباب ورحمة الآباء والأمهات يمكن أن تُرسم ملامح طريق أكثر أمانًا نحو حياة زوجية هانئة، تُعيد للأسرة مكانتها بوصفها الملاذ الأول للاستقرار والطمأنينة.
