ومع ذلك يزداد سوءا!
دائما ما يثور سؤال في ذهني كلما طالعت تصريحات وزير التعليم أي وزير تعليم عندنا: هل أنجزنا أهداف تطوير التعليم، أم أننا لا نزال ندور حولها دون أن نلامس جوهرها؟ وهل يبدأ الإصلاح من تغيير المناهج أم من إعادة بناء الإنسان الذي يحمل رسالة التعليم؟
لم يعد تقييم مسار تطوير التعليم في مصر سؤالًا يُجاب عنه بنعم أو لا، بل قضية تتطلب قراءة متأنية لمسار الإصلاح نفسه: من أين بدأ؟ وكيف نُفذت خطواته؟ وهل وُضعت الأولويات في ترتيبها الصحيح؟
لقد شهدت السنوات الأخيرة جهودًا واضحة لتحديث المنظومة التعليمية والاقتراب من معايير الجودة العالمية، غير أن جوهر التحدي ظل مرتبطًا بالإنسان قبل أي عنصر آخر، حيث يمثل المعلم الركيزة الأساسية لأي نهضة تعليمية حقيقية.
فالتجارب الدولية الناجحة لم تبدأ بتغيير الكتب أو المناهج، بل بإعادة الاعتبار للمعلم من حيث الاختيار والتأهيل والمكانة الاجتماعية والدخل الذي يضمن له التفرغ الكامل لرسالته. وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن بناء منظومة تعليمية حديثة بينما لا يزال المعلم يواجه تحديات اقتصادية ومهنية تدفعه إلى البحث عن مصادر دخل بديلة؟
وفي قلب الأزمة تبرز قضية الكثافة الطلابية وفلسفة بناء المناهج، فالفصل المكتظ لا يعيق فقط جودة الشرح والتفاعل، بل يفرغ العملية التعليمية من بعدها الإنساني والتربوي، ويحوّل المدرسة إلى محطة عبور للامتحان لا بيئة لبناء الشخصية.
كما أن تطوير المناهج، رغم ضرورته، فقد أحيانًا توازنه بسبب الإفراط في الحشو المعرفي، مما جعل الطالب يواجه كمًا من المعلومات يتجاوز قدرته العمرية والاستيعابية، فيتحول التعلم إلى عبء، ويصبح الحفظ المؤقت بديلًا عن الفهم الحقيقي.
وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: هل تستهدف المناهج الحالية بناء عقل مفكر قادر على الإبداع، أم تكتفي بإنتاج طالب يجيد اجتياز الاختبارات؟
ويتعمق التحدي حين تتكامل هذه العوامل لتدفع العملية التعليمية نحو الدروس الخصوصية، فتتراجع المدرسة عن دورها الطبيعي، ويتحول التعليم إلى منظومة موازية قائمة على اجتياز الامتحان لا بناء المعرفة. ومن ثم يبرز تساؤل أكثر عمقًا: كيف يمكن استعادة دور المدرسة كمركز رئيسي للتعلم والتنشئة، وليس مجرد مرحلة شكلية داخل مسار التعليم؟
إن النظر إلى التعليم باعتباره خدمة اجتماعية فقط يُفقده قيمته الحقيقية، لأنه في جوهره مشروع وطني وأحد أعمدة الأمن القومي. فالتاريخ يثبت أن نهضة الدول تبدأ ببناء الإنسان القادر على إدارة الموارد وتطويرها.
ويؤكد الواقع الاقتصادي أن الاستثمار في رأس المال البشري هو الأكثر استدامة، حيث تمثل الكفاءات البشرية أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية، وهو ما يتجلى في الدور الكبير الذي تلعبه الكوادر المصرية بالخارج في دعم الاقتصاد الوطني.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي: هل تتجه سياسات التعليم نحو إعداد أجيال تمتلك مهارات التفكير النقدي والابتكار والتكيف مع متغيرات سوق العمل العالمي؟
كما يؤدي التعليم دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي المجتمعي وترسيخ منظومة القيم التي تحافظ على استقرار الدولة وتماسكها، إذ لا يصنع التعليم متخصصين فقط، بل يصنع مواطنين واعين قادرين على المشاركة في بناء وطنهم.
ومع أن مصر تمتلك طاقات بشرية واعدة، فإن موقعها في مؤشرات الجودة التعليمية العالمية يعكس الحاجة إلى رؤية إصلاحية أكثر تكاملًا تربط التعليم بالبحث العلمي والإبداع والبيئة المدرسية المنتجة للمعرفة. وهنا يفرض الواقع تساؤلًا آخر: كيف يمكن الانتقال من تطوير شكلي إلى إصلاح هيكلي يربط التعليم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية؟
وفي ختام المشهد، يبقى السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يسبق كل خطط التطوير: لماذا نُعلّم؟ فإذا كان الهدف بناء إنسان قادر على التفكير والإبداع وصناعة المستقبل، فإن طريق الإصلاح يبدأ من المعلم، ويمر بمدرسة إنسانية منخفضة الكثافة، وينتهي بمنهج يعلّم الطالب كيف يفكر لا ماذا يحفظ.
والسؤال الذي يظل مفتوحًا أمام صناع القرار والمجتمع معًا: هل نمتلك الشجاعة لإعادة ترتيب أولويات التعليم على أساس بناء الإنسان أولًا، بوصفه الثروة التي لا تنضب، والضمانة الحقيقية لأي نهضة مستدامة في مصر؟
نتكلم كثيرا عن إصلاح التعليم. ومع ذلك يزداد سوءا، وأصبح تكلفة عالية على الجميع وكل ما تفعله الدولة تغيير شخص وزير التعليم. وليتها تحسن اختياره!
