رئيس التحرير
عصام كامل

عن ثورة يوليو.. التي زورت تاريخ مصر!

18 حجم الخط

قال لي صديقي وهو يحاورني متربصًا كعادته: ثورة يوليو دي زوّرت تاريخ مصر.. من أجل أهدافها؟ قلت: طيب كويس.. إنت واخد موقف من أهدافها ليه؟.. لاحظت ارتباكه.. فلم يتوقع انتهاء المناقشة من أول رد.. فهو ابن موظف بسيط لولا ثورة يوليو ما وجد لنفسه ولا لأبنائه مكانًا تحت الشمس.. 

وكذلك جدّه.. كان "مستخدمًا" في وزارة الأشغال.. موظفًا يعني.. لكن حتى اللفظ استخسروه في أبناء شعبنا.. فسمّوهم مستخدمين.. كما كان هناك قرف من فئة من أهلنا.. اصطنعوا لها "سُلّمًا" مخصوصًا في البنايات والعمارات اسمه سُلّم الخدّامين.. في طبقية بغيضة.. أرادوا إبعاد هؤلاء الشقيانين بعيدًا عنهم.. 

لا يلتقوهم لا في مصعد ولا سلم.. ولذلك صمت صديقي من أول رد.. فقد لمح سير المناقشة.. لكن هذا لم يرضني.. فأعدته للمناقشة من جديد وقلت: افترض أن الثورة أخطأت في التطبيق.. هاجم التطبيق.. لكنك ضد أهدافها لماذا؟! ثم أي تاريخ الذي زورته؟!


قال: الأحوال قبل الثورة لم تكن بكل هذا البؤس الذي صورته.. قلت: إذن اترك ما قالته الثورة.. عد إلى ما كتبه نجيب محفوظ في روايتيه بداية ونهاية، والقاهرة 30 أو القاهرة الجديدة، كما هو اسمها الأصلي.. وكلاهما كتبه قبل الثورة! عد لـ"يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم! وكتبها أيضًا قبل الثورة!


وجد صديقي نفسه يحاصر نفسه بنفسه، فأراد نقلة درامية فقال: ألم تظلم ثورة يوليو أسرة محمد علي وتشوّهها؟! قلت: الثورة شوّهتهم أم ردّت الاعتبار لأبناء شعبنا ممن ظلمتهم الأسرة العلوية، ونكّلت بهم؟ 

لقد كان أحمد عرابي في نظرهم مجرمًا.. عاقبوه هو وعائلته! هل هذا عدل؟ هل هو مجرم فعلًا؟! لم تُعَد ثروة عائلته لهم ولم يُرَد اعتباره إلا بعد ثورة يوليو.. فمن زوّر تاريخ من؟! وهكذا بالنسبة لمصطفى كامل ومحمد فريد وعبد الله النديم وغيرهم.


ومع ذلك.. اترك كل ما قالته ثورة يوليو وإعلامها.. اقرأ مذكرات "الكونت لافيزون" الفرنسي، وكيف تصرف الخديو إسماعيل في ثروة البلاد من أجل فتاة عمرها خمسة عشر عامًا، وستجد ما يدعو للقرف! 

عن واقعة واحدة لن اقول لك الإمبراطورة أوجيني ولا تغديني! وإن لم يعجبك الكونت ومذكراته.. عليك بكتاب جمال بدوي.. وهو وفدي.. شرح ذلك في كتابه القيم "محمد علي وولده"!

دعك من هذا وذاك.. وراجع كتاب " التاريخ السري للاحتلال الإنجليزي لمصر" ل الفريد سكاون بلنت.. وهو إنجليزي! ولم يؤلف الكتاب.. إنما هي شهادته لأنه كان دبلوماسيا في أواخر عهد إسماعيل!


قال بغضب وبسخرية: يعني ما فيش حاجة كويسة؟! ألم تكن مثلًا المستشفيات أفضل؟ الخدمات الصحية أفضل؟! ألم نكن دولة عريقة احتفلنا قبل أسابيع بالذكرى الـ123 لتأسيس الإسعاف المصري؟


قلت: غير صحيح.. الإسعاف نشأ بجهد جمعيات خيرية.. وكان على وزارة الصحة توضيح ذلك.. الجهد الحكومي الحقيقي بدأ بعد عام 1952.. 

 

ثانيًا دعك من كلامي.. وكلام إعلام ثورة يوليو الذي أنا نفسي لم أُعاصره.. وعليك بكتاب محمد علي علوبة باشا "مبادئ في السياسة المصرية" وهو صادر في عصر الاحتلال.. وراجع الإحصائيات.. ستكتشف أو ستُصدم عندما تجد أن مصر كانت الأولى على مستوى العالم.. قبل كل الدول المتخلفة.. في نسبة وفيات الأطفال!

حزنت لحال صديقي.. و"صعب عليا" وقد قبل على نفسه أن يكون "سي دي".. أسطوانة ليس أكثر لخليط من مزاعم إخوانية على أكاذيب باشاوية إقطاعية.. فتركت له الفرصة لحوار جديد..

الجريدة الرسمية