رئيس التحرير
عصام كامل

معاك فلوس؟!

مع الاعتذار لكل الاعتبارات الأخرى، والتبريرات الأخلاقية، والمواعظ الدينية، فإن الحقيقة المؤلمة تبقى راسخة، لا تتزحزح، وهي أن الفلوس تفتح النفوس. هل في ذلك من عجب؟ كلا!
إنها، السيدة الفلوس، تفتح نفسك أنت للحياة، وتجعل لك قدمين ثابتتين، وتدخل الجرأة على قلبك وقرارك، وتهون كل الأشياء طالما معك ثمنها.

 

يهون طبق البيض، وتهون الدجاجة، ويهون كيلو السمك! لا شيء يقف أمام تحقيق أحلامك الكبرى، فلقد عرفت وخبرت أن لكل إنسان ثمنا، ولكل بضاعة سعرا، وما دام الجيب عمرانا. فإنك تخوض في الأسواق خوضا، وتعرض نفسك أمام المنتجات والسلع عرضا، وتمد يدك بأناقة وتنتقي من فوق الأرفف ما تشاء، وتلقي به في عربة التسوق بالسوبر سوبر ماركت، وحين تحين منك نظرة فتجد العربة بعد ليست ممتلئة فإنك تعالجها بإلقاء المزيد كما تشاء، فالفيزا كارد لاتزال عامرة والراتب وفير كثير.


هذا عما تفعله الفلوس بك، فماذا تفعل الفلوس في نفوس الآخرين تجاهك؟ يفتحون عقولهم لتتقبل ما تلفظه من قول غث أو ثمين، ويهللون ضاحكين للنكات السخيفة التى تمطرهم بها، ويتحلقون حولك، ويقضون مصالحك، وتصير لك رائحة حلوة عطرة غير رائحة المحتاج الفقير، إنها رائحة الثروة والنعيم، فأموالك سلطة، والسلطة هيبة، ومطمع، ولها شعاع جاذب. 

حالة الحرحرة، وحالة الدهولة

كل الأبواب المغلقة تفتح، لأن المال قوة، ولماذا نذهب بعيدا، جبروت دولة مثل أمريكا سببه أنها تملك أكبر مخزن مال في العالم على مر التاريخ، حولته إلى سلاح يقتل ويهدد ويبتز ويخرب، وهي إذا قالت لأوروبا تعال يا أوروبا ارقصي يمينا أو يسارا أو اركعي فستفعل أوروبا طائعة. تلك أفاعيل الفلوس في النفوس. هذا جانبها المضيء لك والمعتم لغيرك إن كان محتاجا، فماذا تكون حالك بدون فلوس؟


لا أظن أن هذا السؤال يحتاج اجابة تفسيرية، لأن المصريين الآن في وضع الحال بدون فلوس كافية. نقص الفلوس يخنق الروح، ويسد النفس، ويصد عن الحياة، وتحيط بالإنسان حالة حرحرة -تعبير من المنصورة- لا أعلم إن كان القاهريون يعرفون به أم لا، لكن المواطن المتحرحر هو مواطن في ضيق بالغ تتنازعه طلبات بيته وطلبات الحكومة وضغوط الشارع، رزقه ضيق، وراتبه محدود، وتجار البلد يسلخونه كل ساعة بسعر جديد.

 

أيضا يمكن وصف البني أدم المصرى ناقص الفلوس حاليا بأنه دخل حالة الدهولة. هناك إذن حالتان نعيشهما بالتوازي، ويا ويله من عاش الحالتين معا في وقت واحد، حالة الحرحرة، وحالة الدهولة. بالطبع الدهولة أكثر شعبية من التعبير المنصورى فكلنا نعرف الرجل المدهول. والمدهول على عينه، والمقصود أنه غائب عن الحضور الفعلي، فهو موجود أمامك لكن عقله سارح شارد ونظراته متوجسة، وملبسه مبهدل، وتراه متخبطا، وتراه غيرعابئ بشيء.

 

 

اللامبالاة هى الابنة الشرعية لحالة الدهولة العامة، فحين يصير الجميع مدهولين، تتمدد اللامبالاة في شرايين المجتمع ومؤسساته، وتسود حالة تبلد، أخشى أن تعقبها حالة سخط.. وهذه أم الكوارث.. وربك يستر.
معاك فلوس؟!

الجريدة الرسمية