رئيس التحرير
عصام كامل

ما بين سحر المغرب وإتيكيت فرنسا!

رياضة، هل ما شاهدناه في كأس العالم مجرد رياضة؟! أعتقد لا، فحينما نتحدث عن كرة القدم وبالأخص المباريات العالمية وما حدث في كأس العالم فالموضوع لا يتوقف عن كونه رياضة. ويبدو أن العالم أجمع بشعوبه وحكوماته قد طور منظومة الرياضة العالمية إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد رياضة!

والدليل على ذلك ما نراه من تأثير بالغ لهذه الساحرة المستديرة على الصغير والكبير أيا ما كان دينه، ووطنه، وثقافته، وتعليمه، فالكل ينفعل بنفس الروح والطريقة والهدف! وبدون الدخول في تفاصيل، لأن هذا الموضوع سيحتاج الكثير من المناقشات سويا الفترة القادمة كون أكثر ما لفت انتباهي في هذه النسخة من كأس العالم أني تعلمت منها الكثير على المستوى الشخصي وأولها الصعيد الإنساني!

وعندما أتحدث عن الإنسانية، فلن أستطيع أن أتغافل ما قدمته مباراة المغرب وفرنسا من معاني جوهرية في الإنسانية وعظمة الروح الرياضية التي كانت من المفترض أن تكون أساس الكيان الرياضي بدلا من أن تكون آخر ما يهم اللاعبين والجمهور!

وهذا الجانب هو ما سأسلط عليه  الضوء اليوم بعيدا عن الجانب الاحترافي والمهني الذي رأيناه من قبل الفريقين الذي حتما سنناقشه في الأيام القادمة والذي اهتمت به الصحف العالمية أيضا.. فهل لاحظتم ما قام به اللاعبون الفرنسيون فور إطلاق صفارة الحكم؟!

إتيكيت فرنسا

من المألوف أنه فور انتهاء المباريات خاصة العالمية منها، ينطلق اللاعبون بجنون شديد من السعادة في أرجاء الملعب للاحتفال مع بعضهم ومع الجمهور، متغافلين الفريق المهزوم، وربما ينتبهون له لاحقا بعد مرور دقائق!
وبالطبع هذا التصرف ليس مقصودا على قدر كونه طبيعة السعادة الجنونية والأنانية الإنسانية في اللاوعي.. ولكن، مع كل هذه الضغوطات الإنسانية، كسرت فرنسا هذه العادة رغم فرحتها بالتأهل للنهائي!

فور إطلاق الحكم صافرة نهاية المباراة، وجدنا اللاعبون الفرنسيون  يتوجهون فورا نحو مدرب المغرب يعانقونه ويطبطبون عليه ويشدون من أزره! وجدنا كل لاعب فرنسي يساند أخاه المغربي، يحييه ويعانقه ويدعمه قبل أن يفرح مع فريقه ومدربه وجمهوره!

وجدت ابتسامة ساطعة وصدر رحب ومؤازرة قوية جدا.. وجدت فريقا على الرغم من أن معظم من به مجنسين عدا ٣ فرنسيين تقريبا، إلا أن التناغم والتواؤم بين أفراد الفريق كان غير طبيعي رغم اختلاف الثقافات والطبائع!

وجدت تنظيم غريب حتى في الانتباه إلى التحكم بالمشاعر وتقديم رسالة عالمية في -وقت ضغط - في حرصهم على الالتزام بتقديم قواعد الاتيكيت والروح الرياضية في أبهى صورة! وجدت أثناء المباراة احترام شديد متبادل بين الفريقين، ودعم لكل لاعب يصاب أو يسقط  أو يستَبدَل من قبل زميله من الفرقة المقابلة، يكون هو أول من يسنده للاستمرار والنهوض قبل حتى زميله في الفريق!

وجدنا منهم هجوما للمرمى قد يبدو فرديا في الظاهر ولكنه في باطنه هو هجوم جماعي بامتياز! وجدت لاعبين يحترمون قرارات الحكم دون تعصب أو تطاول، حتى المشادة التي كادت أن تحدث في نهاية الشوط الثاني، تم تداركها بسرعة.

شاهدنا أيضا احترام الفريق الفرنسي لموهبة فريق المغرب العربي وإحترام لعبه وعدم الاستهانة بالفريق أو أداءه.. حتى في تشجيع الجمهور لمباراة نصف نهائي! وجدنا ثبات وهدوء ونظام وتحكم في الأعصاب!

سحر المغرب

وعلى صعيد منتخب المغرب.. الذي حقا سأظلمه لو تحدثت عنه في مقال واحد فهو منتخب ساحر، رجال بكل معاني الكلمة، روح رياضية عالية، ثبات انفعالي محكم، شجاعة رهيبة في المواجهة، حسن استغلال وإدارة للمواهب، دقة وسرعة وتعاون وتناغم وعمل جماعي متوافق ومحترم في ظل تحديات دولية مذهلة!

منتخب لم يتأثر بالضغط العالمي وإرتفاع سقف التوقعات بشكل مبهر فور فوزهم على البرتغال! مدير منتخب منظم، متابع لكل ثانية وكل خطوة تحدث على أرضية الملعب بسرعة قرارات تغير مسارات اللعب بشكل كبير! جمهور مساند وداعم لفريقه قبل مباراته وأثناءها وفي آخر دقيقة فيها حتى بعد فقدان الأمل في تحقيق الفوز!

وهذا كله شق، وما وجدناه من منتخب المغرب من ولاء عظيم وبر لأهاليهم شق آخر! فالفكرة في سرعة التصرف والأولوية، وهذا ما وجدناه من منتخب المغرب من ولاء عظيم لأهاليهم. وما وجدناه من الجمهور العربي والمغربي في الاستاد الذي رفع أعلام العديد من الدول العربية وليس المغرب فقط مما يوحى بشعور كل فرد بعروبته وأن النصر نصره.

 

 

ويبقى السؤال الذي سأختم به هذا المقال وربما سأبدأ به المقال القادم.. كيف رأيتم  حضور رئيس فرنسا للمباراة ودعمه للاعبين في المباراة النهائية والتى انتهت بهزيمة المنتخب الفرنسي؟! فهل بعد هذا التمثيل السياسي على أعلى مستوى، نظن أن كرة القدم مجرد رياضة؟!

الجريدة الرسمية