رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

هل الفاسدون هم صمام الأمان؟

Advertisements

أعود للقراء الأعزاء بعد رحلة آلام وعلاج طويل، وقد استقرت حالتي الصحية نسبيًا، حاولت خلال تلك الفترة أن يبقى الود موصولًا بيننا، فأثقلت عليهم بأحلامي، ومحاولات أصدقائي لتفسيرها، وقد اختلفنا في فهم الأحلام وتفسيرها، ولكن اتفقنا على عداء كل فاسد، وأن هناك نموذجا للفساد في كل كيان إداري أو مؤسسي، ومنذ فجر التاريخ لا تتغير صفاته، ولا أساليبه الدنيئة، وبعد أن تعددت زيارات الأصدقاء، اتفقنا على ألا تنقطع جلساتنا التي نُحلل فيها أسباب الفساد، وأسلوب مكافحته.
وانعقد مجلس الأصدقاء مجددًا، وتناسيت إساءة الصديق الذي اتهمني بأنني أتحدث عن حقائق وليست أحلاما، وسألني الأصدقاء عن آخر أخباري، فأبلغتهم باستقرار حالتي، فقد خَفَت بعض الأمراض، واختفت أغلب الأعراض، وبقيت مسيرة ستة أنواع مختلفة من الدواء، ثم استأنفت سريعًا حُلمي القديم، فقد رأيت أن المعتصم كان يريد أن يواصل فتوحاته إلى القسطنطينية، غير أنه اكتشف مؤامرة دبرها إبن أخيه العباس مع القائد عجيف بن عنبسة، وأصبح عجيف رمز الخيانة.

خيانة ابن عنبسة

واعترضني أستاذ التاريخ ليؤكد أن ذلك حقيقة وليس خيالا، وأن كتب التاريخ تحدثت عن خيانة ابن عنبسة، الذي هو في حقيقته أبو الشرف نموذج الفساد عبر العصور، وأكدت كتب التاريخ أنه بإفساده المجتمع، وإهداره الأموال، وتآمره على الحاكم تسبب في تأخر البلاد حتى لحق بالمعتصم ما لحق به من هلاك.

وتدخل صديقي المتبحر في العلوم الشرعية ليؤكد أنه قرأ عن الملعون ابن عنبسة في سيرة الإمام أحمد، فقد كان الملعون من أسباب الفتنة، وكان المعتصم يعتبر الإمام أحمد في منزلة أخيه، ثم كانت الفتنة، فقال: يا أحمد علام تقتل نفسك؟، إني عليك والله شفيق، فقال الإمام: “فجعل عُجيف ينخسني بقائم السيف، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟”، وتلك دائمًا حجة كل خسيس على مر العصور، إنه يباهي بكثرة الفساد والفاسدين، فضلًا عن تسفيه القامات العلمية والأدبية والدينية.
سألت الأصدقاء: وأين كان عقل المعتصم؟ فقال صديقي المتخصص في علم النفس لقد سقط ضحية حيلة عقلية ينسج خيوطها أبو الشرف وأعوانه مع كل حاكم أو رئيس هيئة أو شركة، فلا يُصدق غيرهم، ولا يُفيق إلا بين يدي ملك الموت أو بعد ترك المنصب، وتتلخص تلك الحيلة في توفير مناخ وهمي بأن هؤلاء الفاسدين هم صمام الأمان الذي يضمن استقرار الأوضاع، والحقيقة أن هؤلاء الفاسدين المرتزقة يكونون وبالًا عليه، فيرحل مصحوبًا باللعنات، على تفريطه في الأموال، وقبوله البذخ والسفه، وعلمه بالفساد وإبعاد المخلصين الأكفاء.

خمسمائة مليون دينار

والتقطت خيط الحديث من صديقي وقلت: نعم، نعم.. لقد رأيت في المنام أن المهدي المحترم إستطاع في تعاقد واحد أن يوفر ما يقرب من مليون دينار من أموال الخزانة، كانت ستُقدَم إلى شركة دون وجه حق، وحُرِم أبو الشرف من الرِشوة التي كان يحصل عليها عن ذات موضوع  التعاقد عن السنوات السابقة، فضلًا عن المنفعة الخاصة التي يحصل عليها ويقدمها لأعوان الفساد.
لقد بات المهدي خطرًا عليهم جميعًا، فهو لا يبغي عزًا أو جاهًا أو مالًا، لقد جاء ليحارب الفساد، وأكتشف الفساد المالي في مقر الخلافة الجديد الذي جاوزت تكلفة إنشائه خمسمائة مليون دينار، وهو مبلغ لا يتناسب مع إجمالي الأعمال، وكان الأولى إسناد الأعمال للمؤسسة الوطنية المحترمة، ولكنهم رفضوا كما حدث  في المبنى القديم، وأسدِل الستار على إهدار أكثر من 50 مليون دينار، وحصل أبو الشرف على عمولته، ولم يبقَّ إلا أن يتدخل المعتصم، فهل نجد من يقرأ التاريخ ليصحح مسار الواقع؟

وفسر أستاذ التاريخ ما حدث قائلًا: بحسب المؤرخين فقد كان المعتصم يملك قوة بدنية وشجاعة مميزة، غير أنه كان محدود الثقافة وضعيف في الكتابة، ويبقى أن يتعلم المعاصرون، وأن تتسع ثقافتهم ووعيهم لإنقاذ الحاضر، حتى يتمكن المهدي المحترم من أن يفضحهم ويسحقهم، ثم ساد الصمت حين حضر "السحلب" ضيف الشتاء المحبوب، وأتفقنا على أن نلتقي مجددًا.. وللحديث بقية.

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية