رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements

المركز القومي للمشاعر (2)

بخطوات آلية خالية من أية مشاعر، مضى الحارس يتبعه السريقوسي عبدالخالق عوض السريقوسي يصعدان الدرج، في جو مظلم بدرجة جعلتهما لا يلحظان تلك الهرة، التي دهس الرجل الأول ذيلهاـ فصرخت فزعة، فصرخا فزعين مثلها، حتى أن الحارس فقد توازنه، فسقط متدحرجا على درجات السلم وكأنه كرة من الجلد.. لم يشعر السريقوسي بتعاطف مع الحارس، ولم يهرع لمساعدته.. فقط شعر بالخوف، وتسمر مكانه إلى أن انتهى الرجل الساقط من توجعه، وقام ليهندم ملابسه مصطحبا الزائر إلى حيث يجلس الموظف المختص بتوزيع مشاعر الفرح..

 

في الدور العاشر، حيث مكتب الكومندان كرم الحافي، مدير قطاع مشاعر الفرح بالمركز القومي للمشاعر، توقف الحارس وخلفه السريقوسي، فدلف الرجل إلى الحجرة، بعد أن طرق بابها ثلاثا، وغاب لبضع ثوان قبل أن يعود لينادي على الزائر..

 

- عبدالخالق سالم عوض السريقوسي..

- أفندم..

- ادخل.

 

دخل السريقوسي، فوجد رجلا نحيفا، يبدو في الخمسين من عمره، يجلس خلف المكتب، وعلى عينيه نظارات طبية، يطالع من خلالها أوراقا تضم دوسيها كبيرا مدون عليه من الخارج اسم السريقوسي كاملا..

ابتلع الزائر ريقه، رغم عدم وجود شيء يدفعه للخوف، إلا أن مجرد رؤيته لورق حكومي مدون عليه اسمه كان كفيلا ليشعره وكأن جبلا يجلس فوق صدره، وبسبب ارتباكه غير المبرر جلس على المقعد المقابل لمكتب الكومندان، ما دفع ذلك الأخير لأن يرمقه بنظرة ملؤها الخوف، فكيف يجلس ذلك المعتوه دون إذن من صاحب المكتب؟!

 

مشاعر الفرح

 

تلك النظرة كانت كالشرارة التي أشعلت النيران في الهشيم، وسرعان ما انتقل الخوف كالعدوى من الكومندان إلى الحارس ثم إلى السريقوسي!

ثلاثة رجال في غرفة خائفون، من يخاف ممن؟ ومن يخيف من؟ لا يهم، فهكذا حلقة من حلقات الخوف المتبادل تعد أمرا معتادا في مملكة خوفو، فإذا كان الخوف هو النوع الوحيد من المشاعر المسموح بها في هذه البقعة من الأرض، فلا عجب..

هب السريقوسي واقفا، وراح يتأسف للكومندان، بينما الحارس يترقب الموقف، إلى أن صرخ الرجل الجالس على المكتب..

- لماذا تحتاج مشاعر فرح لك ولسبعة أفراد آخرين؟

- يا فندم، ابنتي ستتزوج..

- اعلم، فذلك مدون في الطلب الذي قدمته، لكن ذلك ليس مبررا لطلب هذه الكمية الكبيرة من مشاعر الفرح، بل إن أي قدر من هذه المشاعر ولو لفرد واحد يعد تبذيرا وإسرافا لا مبرر له.. هب مثلا أنك فرحت وابنتك وأهلك لنصف ساعة، فماذا ستفعلون في باقي العمر؟ هاه.. رد..

ابتلع السريقوسي ريقه، لكن ذلك لم يمنعه من اللجلجة، فراح يزبد ويتمتم بصوت خفيض، بينما الكومندان يقلب في الأوراق أمامه، أما الحارس، فبلل سرواله، وهو يراقب الموقف..

 

قال الكومندان إن تعليمات جديدة وردته مؤخرا، تشدد على التدقيق في صرف أية مشاعر لأي مواطن خلال هذه الفترة، فالبلاد تمر بأزمة مشاعر، ولا أحد يعلم إلى متى ستطول، فأبدى السريقوسي تفهما – زائفا – رغبة منه في أن يغادر المبنى، فمستوى الخوف هنا عال بدرجة لا يمكنه تحملها، غير أن الكومندان عاجله بقرار جعل كل ذرة في جسده ترتجف..

- أيها الحارس، اصطحب هذا الرجل إلى غرفة الحجز حتى انتهي من استشارة رؤسائي في أمره..

نبتت حبات عرق على جبين السريقوسي، واتسعت حدقتا عينيه، وهو يهمس بصوت مبحوح..

- لكن يا سيدي خلاص، لا أريد أي مشاعر.. فقط دعني أعود إلى بيتي..

لم يرد الكومندن، وأشاح بيده، ففهم الحارس مقصده، فجذب السريقوسي من ياقة بدلته البنية، وسحبه إلى الخارج، قاصدا غرفة الحجز..

 

حكاية نهر المشاعر 

 

بخطوات رتيبة، سار الحارس ساحبا الزائر، إلى أن وصلا إلى غرفة شبه مظلمة، فدفعه ليسقط على الأرض، وصاح يه ليبقى ساكنا حتى يأمر الكومندان بالجديد، فكتم السريقوسي خوفه، وصمت، جالسا في وضع القرفصاء، وكأنه جنين في بطن أمه، ثم راح يفكر في أمر زوجته وابنته وكيف سيتمكن من العودة لهما حاملا مشاعر الفرح التي وعدهما بها من أجل حفل زفاف صغيرته..

 

مرت الدقائق كالسنين على السريقوسي في محبسه المؤقت، خاصة وأنه لا يعلم إلى متى سيبقى، لكنه حين تملكه التعب استسلم للنوم، فغط في سبات سحيق..

في مكتب الكومندان، كان كرم الحافي يزرع الأرض بخطوات متعجلة، بينما عدد من مساعديه يقفون في الغرفة يراقبونه في خوف، وهو يردد..

- يريد أن يفرح.. ليس وحده، بل هو وسبعة من أقاربه!!

- يا جناب الكومندان، الأمر مخيف.. لكن القانون يعطيه الحق في ذلك..

 

هكذا رد أحد المساعدين على الكومندان، الذي توقف فجأة حين سمع كلمتي «قانون» و«حق»، ورمق المتحدث بنظرة كادت تحرق الغرفة بما فيها من أثاث وجدران وناس..

- أيها السادة، هذا أول طلب من نوعه منذ سنوات طوال، ظننت أن الناس قد نسوا مشاعر الفرح.. ماذا نقول للحاكم؟ في آخر لقاء جمعني به أخبرني أنه يشعر بالراحة لأن جميع مواطنيه باتوا يكتفون بالخوف.. الخوف فقط.. ثم تقولون أنتم قانون وحق..

 

سعل أحد الحضور، وأبدى خوفا كبيرا، وهو يسأل الكومندان..

- تقول يا سيدي إن الحاكم أخبرك بأنه يشعر بالراحة!

- نعم، وماذا في ذلك؟

- كنت أظن ألا أحد يمكنه أن يشعر بأي مشاعر أخرى غير الخوف حتى وإن كان الحاكم..

- يا لك من أبله، الحاكم وأسرته هم فقط من لهم الحق في أن يشعروا بكل أنواع المشاعر، وإلا كيف له أن يحكمنا وكيف لهم أن يكونوا عونا له؟!

- أنا لا استنكر عليهم الأمر ياس يدي.. فقط أسأل..

 سكت الكومندان، وانفصل عن الحاضرين في الغرفة، سارحا في ماض ليس ببعيد.. فقط عشر سنوات خلت، حين كان برفقة الحاكم، في رحلة صيد.. وقتها قابلا رجلا عجوزا في الصحراء، حيث كانا يطاردان غزالا، لكن العجوز اعترضهما، وطلب منهما الابتعاد عن تلك المنطقة، مؤكدا أنها ملك له، ولما كشف الحاكم عن شخصيته مبتغيا بث الرعب في نفس الرجل العجوز، لم يفلح، بل إن ذلك زاد من عناده..

 

مستغربا، سأل الحاكم ذلك العجوز عن سر عدم خوفه، وطلب منه أن يخبره عن مصدر قوته وشجاعته، وبكل صراحة أخبره العجوز أن في عمق الصحراء نهرا يسمى نهر المشاعر، حيث يمكن للمرء أن يغترف منه ما شاء وينهل حتى يرتوي، وحين يرتوي يصبح رجلا حرا له من المشاعر جميعها..

 

 

طلب الحاكم من العجوز أن يصحبهما إلى النهر، وهو ما حدث، وحين وصلا شرب الحاكم فشعر بطاقة غريبة تسري في جسده، فتيقن من صدق العجوز، وفجأة استل سيفا من غمده وضرب العجوز ليطير رأسه من فوق منكبيه..

حين رأى الكومندان ذلك ارتعب كما لم يرتعب يوما، وخر راكعا أمام الملك، وأقسم أنه لن يشرب يوما من النهر ولن يخبر به أحدا..

- سيدي الكومنان..

دوت صرخات الحاضرين، ظنا منهم أن الكومندان السارح بخياله قد أصابه سوء بسبب صمته وشروده، فانتبه الرجل لصراخهم، وهتف فيهم..

- أريد أن أخبركم سرا، لكن أقسموا أولا لي بأرواح أجدادكم أنكم لن تخونوني وأنكم ستحفظون سري وتعاونوني على ما أطلبه منكم..

تبادل الجميع النظرات، ثم هتفوا فى صوت واحد..

- لك منا الوعد..

Advertisements
الجريدة الرسمية