رئيس التحرير
عصام كامل

وداعا.. للواقع!

لم تكن الصيحة التي أطلقها مارك زوكربرج مؤسس فيس بوك «الميتافيرس» هي الأولى من نوعها، فقد شاهدناها كثيرا في أفلام ثلاثية الأبعاد 3D وألعاب الـVR والـ X بوكس والكثير من الألعاب المجسمة التي نستخدم فيها النظارات المجسمة. لكن الجديد هنا أن الأمر لم يعد مجرد لعبة أو فيلم نذهب له ولكنه سيكون أقرب إلى نمط حياة يروج له صاحب الفيس بوك لينقلنا جميعا إلى مرحلة الحياة الافتراضية بالكامل، وليس بعض الوقت للعب والترفيه كما كان الأمر.. 

هو عالم افتراضى جديد يمزج بين بعض الواقع المادى المحسوس الذى نعيشه والعالم الافتراضي غير المادى على الإنترنت. والآن إذا كنا في مجتمعنا نعانى أشد المعاناة بعد أن أصبح الموبايل والكومبيوتر بالاستخدام السيئ له شيطان يخرب البيوت ويضيع مستقبل أولادنا.. فماذا سيكون الحال بالميتافيرس الجديد؟ 

أول من استخدم هذا المصطلح الكاتب الأمريكي نيل ستيفنسون المتخصص في روايات الخيال العلمى في رواية "Snow Crash" أو تحطم الثلج، المنشورة عام 1992.. والميتافيرس مكون من مقطعين: الأول Meta وهو الاسم الجديد الذى تغير إليه فيس بوك، ويعنى ما وراء، والمقطع الثانى Verse اختصارا لكلمة Universe بمعنى العالم، والكلمتان بمعنى العالم الماورائى أو ما وراء العالم.

تعزيز الواقع التفتراضى

والتطبيق يبدأ باستخدام نظارات الواقع الافتراضى والواقع المُعزز وارتداء السترات والقفازات المُزودة بأجهزة استشعار، يستطيع المُستخدم أن يعيش تجربة شبه حقيقية، تعمل فيها هذه التقنيات الذكية كوسيط بين المُستخدمين فى عالم الميتافيرس، لإيصال الشعور بالإحساس المادى، فيستطيع أن يرى المُستخدم الأشياء من حوله بصورة ثلاثية الأبعاد عبر النظارة، كما يمكن أن يشعر فيها بالمؤثرات الجسدية الحسية، كإحساس السقوط فى المياه أو اللكمة فى الوجه أو غيرها، من خلال المستشعرات الموجودة فى السترات والقفزات التى يرتديها.

وداخل عالم المنزل مثلا، يستطيع الشخص إنشاء نسخة افتراضية تطابق منزله الأصلى، ويستطيع التجول فيها بمجرد ارتداء نظارة الواقع الافتراضى، ومن ثم يستطيع أن يدعو زملاءه عبر الميتافيرس إلى قضاء وقت معا داخل المنزل، أو مشاهدة مباراة كرم قدم، أو حتى استذكار الدروس والمراجعة. 

وتتعدى تجربة عالم الميتافيرس فى التعليم لتكون أكثر ثراء، فتوفر مثلا للطلاب المعنيين بدراسة الفضاء أو المحيطات أو الجيولوجيا أو التاريخ، فرصة لمحاكاة هذه العوالم فى صورة ثلاثية الأبعاد، وبالتالى يمكنهم الذهاب إلى القمر أو أحد الكواكب الشمسية أو حتى الشمس نفسها، وأيضا يمكنهم الذهاب إلى أعماق المحيطات أو باطن الأرض، أو حتى العودة إلى أحد الأزمنة التاريخية ومحاكاة طرق العيش فيها. ومع دخول نظم الذكاء الاصطناعى فى برمجة شخصيات هذه العوامل، يمكن للمُستخدم أن يعيش تجربة شبه حقيقية بالفعل..

والسؤال هل سنجد بهذا التطبيق الإلكترونى لدينا وقتا للعمل أو للتواصل الإنسانى والحياتى أم سنغادر حياتنا وواقعنا إلى هذا العالم الافتراضى؟ يعنى لا مذاكرة ولا عمل ولا حياة حقيقية.. طبعا ليس العيب في التقدم لكننا في العالم الثالث مازلنا نستورد التكنولوجيا ولا نخترعها أو نصنعها ثم نستخدم أسوأ ما في التكنولوجيا مثلما نستخدم السكين للقتل بدلا من تقطيع الخضروات. 

واقع وهمى

نعم قد يروق هذا الوضع للبعض، الذين اصطدموا بمشاكل الحياة، وإكتأبوا منها، وقرروا الانتحار، فيكون عالم الميتافيرس ملجأ لهم من الواقع وبديلا جيدا للانتحار.. لكن كيف سيكتمل العمران البشرى حينما يغيب الناس عن مواجهة حقيقتهم ومصيرهم، وأن يسعوا بجد إلى تغيير وضعهم إلى الأفضل دائما، وألا يستسلموا بالذهاب إلى عام افتراضى يسهل تحقيق الإنجاز فيه.

 فمن سيقوم بمهمة تربية الأجيال القادمة حينما تنشغل الأمهات عن أولادهن، وكيف يتحقق العمران الذى يتطلب التدافع البشرى وتعمير الأرض، وليس تعمير مساحات افتراضية غير واقعية؟ وما هو شكل العلاقات بين الأزواج والعلاقة بين الأبناء والآباء والعلاقة بين الأصدقاء.. والمهم هل سنتقدم في الواقع أم سيكفينا التقدم الوهمى في عالم الميتافرس..

ألا يشبه هذا التطبيق ما تفعله المخدرات والإدمان التي تجعل مدمنها يعيش في واقع وهمى يحلق فيه من السعادة بينما يعانى في الواقع من كل شيء! والسؤال هل المقصود بهذا التطبيق الجديد إلهاء الشعوب المتخلفة عن العمل والتقدم حتى يتفرغ الغرب للعمل وفرض الهيمنة علينا ونحن نقضى وقتنا داخل المزارع السعيدة الوهمية!

ألا يمكن أن نتدبر الأمر ونستفيد من التطبيق في التغلب على زحمة الفصول مع الشرح والتفاعل مع مدرسين جيدين وأن نتغلب على إضاعة الوقت في الزحام والمواصلات لعمل الاجتماعات ونترك الطريق خاليا لمن يريد الذهاب إلى مصنعه ومنشأته.. 

نعم للتكنولوجيا وجوه متعددة وعلى الإنسان الواعى اختيار ما يفيده وليس ما يضيع وقته ويهدر آدميته وإنسانيته إلا إذا كنا جميعا قد قررنا الإنتحار وكان الميتافيرس هو العلاج المهدئ، ولكن ألا نعرف أن الإدمان والانسحاب من الحياة سيكون من الآثار الجانبية لهذا الدواء فهل ندرك أبعاد هذا المخطط ونستغله فيما يفيدنا نحن وليس ما يفيدهم هم وقبل فوات الأوان؟!

YOUSRIELSAID@YAHOO.COM

الجريدة الرسمية