رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

الفردوس الأرضي.. نواميس النيل ليست كبقية الأنهار.. وسر إطلاق المصريين عليه "حابي"

Advertisements

"يا نيل يا هدية الإله.. يا نغمًا كأنه صلاة.. سيكتب الله لك السلامة فأنت مهد الحق والكرامة.. وأنت للحرية المثل.. يحمى حماك شعبك البطل".. كانت الكلمات تنساب من الشاعر صالح جودت رقراقة كأنها قطرات من مياه النيل العذب الذى يحمل الحياة والروح لكل المصريين.

الإله حابي
يحمل النيل قدسية خاصة لدى المصريين جعلوه إلها أطلقوا عليه اسم "حابي"، وسجلت الجداريات نقوشًا خاصة للإله "حابي" ممسكًا بحبل يربط بين الوجهين القبلى والبحرى، فكان النيل رمزًا للوحدة.


ويذكر أنطوان ذكرى، أمين دار كتب المتحف المصرى فى عهد الملك فؤاد الأول، فى كتابه "النيل فى عهد الفراعنة والعرب" أن المؤرخ هيرودت قال: "إنما مصر هدية من هدايا النيل"، فقد كان قدماء المصريين يحترمون النيل احترامًا عقائديًا لكونه السبب فى صيانة أرواحهم من مهالك القحط والجدب.


وجاء فى كتاب الموتى: "إن النيل مولوج من رع" أي الشمس، أكبر الآلهة عند المصريين، وللقدسية العظيمة للنيل عند المصريين وُجد مكتوبًا فى إحدى البرديات عند مقبرة أحد الموتى، ضمن أوراق كتب التحنيط، نص يقول: "إنك أيها الراحل فى لحد الخلود، سيفيض عليك النيل فى مضجعك الأخير أثرًا من بركاته، لأن ماءه لآت من مدينة (أبو أسوان)، وهذا النيل ينفجر من عوته، هذا (نو) الخارج من ينبوع صخرى كأن الفيضان يفور من خزانته والمياه تتدفق من ينبوعه".


يقول أنطوان ذكرى إن علماء المباحث المصرية اجتهدوا لمعرفة النيل وينابيعه ومصادره العليا، أمثال "هيرودوت وسترابون وديودور الصقلى وعلماء الرومان كالمؤرخ وسنيك وغيرهم من الفلاسفة، لكنهم لم يتمكنوا من معرفة ما ألقاه إليهم الكهنة عن عظمة النيل، وأن عجائبه ترجع إلى قدسية مصدره الإلهى.

الفردوس الأرضي
وقال «المقريزى» فى وصف مصر: "إن النيل يظهر على الأرض بقرب وادى القمر الواقع بقرب الاستواء"، وقال عنه جرانفيل: "إن النيل فردوس أرضى".


يذكر المؤرخ اليونانى هيرودوت، القرن الخامس قبل الميلاد، أن أحد الكهنة المصريين روى له أقاصيص نظمها الشاعر اليونانى «ليكين» وسردها بأسلوب خطاب بعثه رئيس كهنة قدماء المصريين إلى يوليوس قيصر بشأن ينابيع نهر النيل، وجاء فى نص الخطاب: "أخطأ الأقدمون فى تعبيرهم بأن النيل يزداد فيضانه عقب ذوبان الثلوج فى جبال إثيوبيا، لأن سكان تلك الجهة من حرارة الشمس تبدو جلودهم سمراء، كما أخطأ الزاعمون بأن منابع الأنهار المتكونة من ثلوج يذيبها الحر...".


واستمر الشاعر اليونانى ليكين فى خطابه قائلًا: "نواميس النيل ليست كنواميس بقية الأنهار، ولم يزدد فيضانه فى الشتاء، فبعد ابتعاد الشمس عن درجات المقارنة الأفقية لها فى فصل الصيف تتدفق المياه بنسبة تعويضه عن ذلك، وقد اختص النيل بلطافة حالة الجو، ويأتى النيل مساعدًا للعالم فى إرجاء واديه...".


لم يكن النيل مجرد ماء يجرى، لكنه كان يحمل معه القدسية، ففى الفصل رقم 125 فصل الاعتراف السلبى من كتاب "الخروج فى النهار" جاء فى النصوص الجنائزية المدونة على جدران عدد من المقابر فى أسوان، أشهرها ما دونه "حرخوف" على جدار مقبرته فى أسوان وفيها يقدم نفسه فى مقبرته فيقول فى نص طويل "لم أعذب أحدا.. لم ألوث ماء النهر.. لم أنقص قرابين المعبد.. لم أستبح خبز الآلهة.. لم أسلب قرابين الموتى.. لم أزنِ.. لم أنجس نفسى فى الأماكن الطاهرة فى معبد إله مدينتى.. لم أزد ولم أنقص المكيال.. لم أغش فى مقياس الأرض.. لم أتلاعب فى مثقال الميزان.. ولم أزحزح مؤشر الميزان.. لم أنتزع لبن من فم رضيع".


وقال الخبير الدولى فى المياه د.رشدى سعيد فى كتابه "نهر النيل نشأته واستخدام مياهه فى الماضى والمستقبل"، قد فتنى نهر النيل وتقت لمعرفة أسراره وكانت رحلتى إلى منابعه هى أول رحلة أخرج فيها من مصر.


وشغل نهر النيل الناس منذ القدم، وكتب عنه المؤلفون مجموعة من الكتب والمقالات تزيد على 20 ألف مؤلف، ومعظم هذه الكتب من كتب الرحلات وأشهرها ما كتبه الكاتب الفرنسى المشهور إميل لودفج بعد عودته من رحلته عبر النيل فى سنة 1937، وما كتبه مرهيد عن النيل الأبيض والنيل الأزرق، اللذين يحكيان قصة اكتشاف منابع النيل.


وكتب عنه على مبارك فى كتابه "الخطط التوفيقية" الذى يقع فى 20 مجلدًا وصدر عام 1899 وأمين سامى "تقويم النيل" فى ستة مجلدات عام 1915، وعمر طوسون فى كتابه "تاريخ النيل من 1922 وحتى 1925"، فقد انشغل المصريون والعرب والغرب بمياه النهر العظيم المقدس "نهر النيل" ونشأته ومنابعه، وقدسيته عند المصريين.

عبقرية النهر
لم يستطع د. جمال حمدان أن يفصل النيل عن شخصية المصرى، وفى كتابه "شخصية مصر.. دراسة فى عبقرية المكان" نجد أن شخصية مصر عند جمال حمدان يجسدها النهر الكامل، البيئة النهرية بامتياز، وخاصة نموذج البيئة الفيضية المطلقة، وهى بكل يسر "أكثر الفيضيات فيضية" فى الدنيا، فمصر أكثر من أي بلد آخر، حياتها كلها هى النهر، لا وجود لها بدونه، مصر لدى جمال حمدان هى النيل.


تكمن عبقرية كتاب جمال حمدان فى تنبأه بما يحدث الآن من إثيوبيا ومحاولة سيطرتها على مياه النيل ومنعه عن مصر، مشهد كتبه جمال حمدان فى سبعينيات القرن الماضى، وكأنه ينظر من نافذة فُتحت له على المستقبل، فكتب لقطات لمشاهد وكأنه يراها بعين بصيرته النافذة، فكان يقول: إن "الحبش يريدون حبس النيل عن مصر، فى مؤامرة واضحة لا تخفى على أحد".


واسترسل جمال حمدان فى عبقريته فقال "النيل هو إله مصر عاشقها ولن يُقبل أن يمنعه كائنًا من كان عن السريان حتى يغمر الوادى بالخير والنماء والعطاء.. إثيوبيا يسقط عليها 900 مليار متر مكعب من المياه مع ذلك يصفون النيل بالغدار، ومصر يذهب لها النيل فى 55 مليار متر مكعب فقط، لكنها بنت بهم حضارة ومجد حير الدنيا.


حذر جمال حمدان فى كتبة من الخيط الرفيع أو ما يسمى الحبل السرى الصهيونى، الذى يريد قطع النيل عن مصر، واستمر جمال حمدان فى سرد نبوءته قائلًا: "هناك بلاد أفريقية سوف تستأسد على مصر إلى حين ستنبى سدًا كبيرًا، أن جغرافية وتاريخ وموقع مصر تتلخص فى حقيقة واضحة؛ إما أن تكون مصر إمبراطورية دفاعية تخرج خارج حدودها لتأمين موقعها، وإما أن تكون مستعمرة من خلال الكمون الداخلى أو الانكفاء على الداخل، وليس هناك بديل ثالث".


ويصف جمال حمدان موقع مصر بأنه أشبه بفيلا أنيقة وحيدة على النيل إذا كان أصحاب الفيلا اقوياء ينتشرون خارجها للدفاع عنها، أما لو كانوا فى حالة كمون داخلى فلن يتركهم الآخرون، وتكون مرحلة المستعمرة أو التبعية...".


ويقول جمال حمدان عن مصر والنيل "فرعونية هى بالجد، ولكنها عربية بالأب، ثم أنها بجسمها النهرى قوة بر، ولكنها بسواحلها قوة بحر، وتضع بذلك قدما فى الأرض وقدما فى الماء".

 

نقلًا عن العدد الورقي…

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية