رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

د.عباس شراقى: على مصر جلب فواقد المياه.. ومنذ السد العالى لم نجلب مليار متر مكعب واحد (حوار)

الدكتور عباس شراقى،
الدكتور عباس شراقى، أستاذ الموارد المائية
Advertisements

قد نضطر لشق فرع جديد لنهر النيل إذا زادت الفواقد عن 15 مليار متر مكعب

«ثورة بركانية» وراء تحويل مسار النيل من جبال البحر الأحمر ليصبح منبعه من الهضبة الإثيوبية 

5% نسبة مصر والسودان من أمطار «حوض النيل».. و«دول المجرى» لا تعانى أي أزمات مائية

 

«ثورة بركانية» تسببت فى أن يتحول مجرى ومسار نهر النيل الذى كان ينبع من جبال البحر الأحمر، ليصبح نهرًا دوليا منبعه من الهضبة الإثيوبية، لتحدث هذه الثورة تعديلًا فى رحلة النهر الخالد، التى بدأها منذ ما يقرب من 20 مليون سنة، وهى سنوات لم تكن دائما «سعيدة»، بل شهدت «سنوات جفاف» و«أعوام رخاء»، كما لم تكن الأزمات بعيدة عن المشهد، وإن كانت أكثر حضورًا فى وقتنا الحالى.

«تاريخ النهر».. كان محور الحديث مع الدكتور عباس شراقى، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، جامعة القاهرة، الذى قدم خلاله عرضًا مفصلًا لـ«أيام النيل»، منذ لحظة الميلاد، وحتى وقتنا الحالى.

«د. عباس» أكد أنه رغم مرور ما يزيد على 20 مليون على لحظة ميلاد نهر النيل إلا أنه لا يزال فى مرحلة الشباب، كما كشف حقيقة بعض المسميات التى أطلقت على الأنهار، وتحديدًا «الأبيض» و«الأزرق»، وانتقل بعد ذلك للحديث عن«دلتا النهر»، مقدمًا تأريخيًا تفصيليًا لمراحل ظهورها وكيفية تكونها فى شمال مصر.

«فواقد المياه وأزمات دول المجرى».. ملف ثانى تحدث عنه أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، كاشفًا أن مصر والسودان لا تحصل سوى على 5% من مياه الأمطار، وأنه من الأجدر ببقية دول «مجرى النهر» أن تعمل على الاستفادة من نسبة الـ 95% المتبقية وعدم التعامل مع الـ5% كونها نسبة ضخمة ويجب النظر إليها و«المحاصصة» فيها.. فإلى نص الحوار:

 

*بداية.. هل هناك دراسات استطاعت تحديد «عمر النيل» واللحظة الأولى لجريانه؟

بدأ نهر النيل قبل 20 مليون سنة، ووقتها لم يكن ينبع من إثيوبيا وأوغندا كما شكله الحالى ولكن كانت منابعه فى جبال البحر الأحمر فى مصر، والتى كان معدل الهطول المطرى عليها كبيرا جدا، وكان النيل يتفرع ويتعدد لعدة أنهار داخل مصر، منها أودية لا تزال موجودة حتى الآن لكنها جافة مثل وادى قنا وأسيوط، ولم يكن النهر فى ذلك الوقت متصلا بأى أنهار أخرى رئيسية خارج الدولة، بل كان ينبع ويجرى فقط داخل مصر.

 

*ومتى بدأ التغيير يطرأ على مجرى نهر النيل ليصل إلى مساره الحالى؟

قبل 6 ملايين سنة تعرضت إثيوبيا لتغيرات جيولوجية ضخمة تسببت فيها البراكين التى ضربت الهضية الإثيوبية ونتج عنها إحداث فالق عظيم تكون منه النيل الأرزق الذى نراه الآن، وفى الوقت ذاته إتصل نهر النيل الأزرق بنهر النيل الذى يجرى داخل مصر بسبب الحمم البركانية الكثيفة والعنيفة التى حولت مسار مجرى المياه من داخل إثيوبيا وجعلتها تتصل بنهر النيل، والنيل الأزرق واحد من أعنف الأنهار فى العالم وأكثرها شدة، حيث تهبط المياه من جبال شاهقة وتجرى فى فالق يصل عمق بعض النقاط فيه من 500 إلى 2000 متر وهو عمق كبير جدا، خاصة عندما تعرف أن عمق النهر فى مصر يصل إلى 14 مترا فقط.

 

*ما السر وراء الربط التاريخى بين نهر النيل وكونه «رمز الخصوبة»؟

 بسبب حجم رواسب الطمى الكبيرة التى يحملها النهر معه فى رحلته من الحبشة إلى دلتا مصر، يصل معدل ارتفاع الطمى فى الدلتا والوادى إلى سمك 300 متر وهى جميعها قادمة من إثيوبيا، لأن المياه فتَّتَتْ الجبال المكونة من صخور البازلت البركانية فى الهضبة الإثيوبية وتأتي برواسب هذه الصخور المميزة والفريدة من نوعها إلى النهر فى مصر، لذلك يميل لون النهر بعد الفيضان إلى اللون الأحمر الداكن، وفى بعض الأحيان يتحول إلى اللون الأزرق، وذلك نظرًا لكثافة وتنوع الصخور المفتتة فى المياه، ومن هنا جاء اسم «النيل الأزرق»، بينما النيل الأبيض تكون مياهه فى غاية النقاء، ومن هنا أيضا جاء اسم «النيل الأبيض»، وأيضا نجد أن حجم الإطماء أمام السدود المشيدة على النيل الأزرق كبير، فالسودان مثلا اضطر لتعليه خزان الروصيرص بسبب تراكم الطمى أمامه وشغله جزء من حيز تخزين المياه وصل إلى 2 مليار متر م3، بينما لم يضطر السودان لتعلية خزان جبل الأولياء على النيل الأبيض مثلا، لأن النهر لا يحمل الطمى من هذا الرافد، فتقريبا يأتى نهر النيل محملا سنويا بقرابة 110 ملايين طن من الطمى.

 

*وماذا عن تكوين الدلتا؟ وهل من البداية تكونت على شكلها الحالى؟

خلال الستة ملايين سنة الأخيرة كان يحفر النهر فى مجراه، وكانت هناك العديد من الروافد للدلتا تشكلت نتاج هدوء المياه لحظة الوصول للقاهرة لتبدأ فى التدفق شمالا فى شكل مروحة وتكونت أفرع كثيرة، كان عددها فى السابق 7 أفرع رئيسية، إلى جانب أفرع فرعية عدة، والمتبقى منها الآن دمياط ورشيد، وكان هناك أحد الفروع داخل سيناء وهى ما تكون مكانها الآن منطقة سهل الطينة الغنية بالطمى والذى وصل إليها من خلال أحد أفرع النهر.

 

*كيف استغل المصريون نهر النيل؟

مصر تضم أكبر شبكة رى فى العالم، لأن الزراعة فى العالم منذ قديم الأزل تعتمد على الأمطار، بينما نحن دولة جافة وصحراوية، لكن لدينا نهر النيل، وهو ما أجبرنا على محاولات ترويض النهر والاستفادة منه فى الزراعة المروية التى تحتاج إلى مجهود وتكلفة كبيرة، بينما أغلب العالم الرطب يعتمد حتى الآن على الزراعة المطرية منخفضة التكلفة.

 

*ما أعلى إيراد حققه نهر النيل فى تاريخه؟

أعلى إيراد كان فى فيضان عام 1879 فى القرن الـ19 وشكل حجم المياه وقتها ضعف التصريف الحالى البالغ 84 مليار متر مكعب، أي قرابة 160 مليار متر مكعب، وفى بعض الأحيان جاء الفيضان بنصف هذا الإيراد المعتاد أي قرابة 40 مليار م3، وهو ما حدث عام 1913 من القرن الماضى، وكانت سنة شديدة الجفاف، وربما بدأت من هنا الأسطورة الشعبية حول التشاؤم من رقم 13، ومن هنا يظهر التباين الكبير فى إيراد النهر، بينما فى التاريخ القريب وخاصة عام 1984 وصل إيراد النهر إلى 56 مليار م3، وهى سنة عرفت بالجفاف الكبير فى دول المنابع التى عانت من المجاعات بينما تمكنت مصر من المرور من تلك التجربة بفضل مشروع السد العالى.

 

*ما المرحلة العمرية التى يمر بها نهر النيل فى وقتنا الحالى؟

نهر النيل فى الوقت الحالى لا يزال فى مرحلة الشباب فى مناطق منابعه، وأشرنا من قبل إلى أن النيل الأزرق يصل عمقه فى بعض المناطق إلى 2000 متر، ويبدأ فى الهدوء فى السودان ومصر خاصة عند الدلتا، وبالتالى لا يمكن أن نحكم على النهر بالكامل أنه فى مرحلة الشيخوخة أو الشباب، لكن الأمر متباين وفى العموم النهر ما زال فى مرحلة الشباب.

 

*كم يبلغ حجم فواقد المياه الناتجة عن اندفاع النيل الأزرق؟

الفواقد فى حوض النيل هى الأساس بينما ما يجرى فى النهر هو الاستثناء فما يصل إلى مصر والسودان 5% من الأمطار التى تتساقط على حوض النيل، وهنا تستفيد كل دول حوض النيل من النهر بالمياه التى تتساقط عليها، وفى نفس الوقت تستفيد بالحد الأدنى من هذه المياه، فكل دول المنابع والحوص ينظرون فقط إلى كميات المياه التى تذهب إلى مصر والسودان والتى هى كميات ضئيلة جدا، فى حين أنهم إذا وجهوا اهتمامهم لحصاد الـ95% من المياه التى تتساقط عليهم ستتزايد ثرواتهم المائية، هذا فضلا عن أنهم لا يعانون فى الأصل من أزمات مياه بالمرة.

 

*وفقًا للوضع الحالى.. هل يمكن أن نشهد حالات فقر مائى فى حوض النيل قريبا؟

دول الحوض جميعها لا تعانى من أي مشكلات مائية، عدا مصر بالطبع، وإذا نظرنا إلى السودان سنجد أن حصته المائية المحددة منذ أكثر من 50 سنة تكفيه، ورغم التوسع فى الزراعة خلال الـ10 سنوات الأخيرة لكن الحصة لا تزال كافية، والحقيقة أن مسألة جلب فواقد المياه لا تهم أحدا إلا مصر، لأنها عملية مكلفة جدا ولا يهتم بها إلا صاحب المشكلة الحقيقية، ويجب أن نتحلى بالإرداة السياسية القوية لجلب فواقد المياه، فمنذ السد العالى لم نجلب مليار متر مكعب واحد من المياه، وبالتالى يجب أن نسير بقوة فى هذا المجال، وكان لدينا مشروع قناة جونجلى فى جنوب السودان ليستفيد منها المواطنون هناك فى الملاحة وتجلب المياه لمصر فى نفس الوقت، وهو مشروع مهم جدا للمواطنين فى جنوب السودان، نظرًا لتوقف حركة الطرق هناك أغلب أوقات السنة بسبب الهطول المطرى الكبير.

 

ويجب علينا أن نوضح للمواطنين هناك فوائد تلك القناة بالنسبة لهم، ونحن فى الوقت الحالى نحتاج إلى تدفقات مائية أكبر فى ظل عجز يصل إلى 25 مليار م3 فى ظل زيادة تعدادنا فى الوقت الحالى، فى نفس الوقت فأى جلب للفواقد أكثر من 15 مليار متر مكعب يحتاج إلى شق فرع جديد لنهر النيل فى مصر إلى جانب تطوير وتعميق النيل الأبيض الذى يصل عمقه إلى 4 أمتار فقط، ويتسبب ذلك فى فواقد كبيرة، وهى تكلفة كبيرة جدا تستلزم إدارة مشروعات ضخمة وعملاقة لتهيئة النيل الأبيض، وبحث حفر رافد جديد من نهر النيل.

 

الحوار منقول بتصرف عن النسخة الورقية لـ "فيتو"

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية