رئيس التحرير
عصام كامل

فضائل يوم عرفة وحكم صيامه

يوم عرفة
يوم عرفة
يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجّة، وهو اسم للموقف الذي يقف فيه الحُجَّاج، وحدود عرفة مكانيّاً تكون من الجبل الذي يُطِلّ على بطن عُرَنَة، ويشمل الجبال المقابلة، ويمتدّ إلى ما يَلي حوائط بني عامر، ولا يتمّ الحَجّ إلّا بالوقوف فيه.


الوقوف بعرفة
ويبتدئ الوقوف بعرفة منذ فجر اليوم التاسع من ذي الحجّة، وحتى طلوع فجر اليوم الذي يليه؛ والذي يُسمّى بيوم النَّحر؛ وهو يوم العيد، وينهي فيه الحُجّاج وقوفهم على عرفة.

واسم هذا اليوم مُركَّب من كلمتَي: يوم، وعرفة؛ أمّا كلمة يوم فتدلّ على زمان مُخصَّص، بينما تدلّ كلمة عرفة على مكان مُعيَّن مُحدَّد، ولهذا المكان مكانة عظيمة؛ لتعلُّقه بشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام؛ وهي الوقوف بعرفة في موسم الحَجّ، وقد ورد ذِكره بلفظ عرفات في قوله -تعالى-: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).

فضل صيام يوم عرفة
اتّفق الفقهاء جميعاً على استحباب وفضل صيام يوم عرفة، ولم يقل أحدٌ منهم بخِلاف ذلك، وصيامه أفضل من صيام غيره من الأيّام باستثناء صيام فريضة رمضان، ولصيامه فضل عظيم يترتّب عليه؛ فهو يُوجِب مغفرة الله -تعالى- للعبد ذنوب سنة قبله وسنة بعده، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتي بَعْدَهُ).

الأعمال الصالحة
كما يُستحَبّ في هذا اليوم الإكثار من الأعمال الصالحة، كالحرص على أداء النوافل، والإكثار من ذِكر الله -تعالى-، ومن الصدقة في سبيل الله -تعالى-، وقد بيّن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فضل العمل الصالح في هذه الأيّام؛ فقال: (ما مِن أيَّامٍ العمَلُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللَّهِ مِن هذهِ الأيَّامِ العَشر فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ إلَّا رجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ فلم يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ).

فضل يوم عرفة
ويتفضلّ الله -سبحانه- على عباده في يوم عرفة بعدد من الفضائل؛ إذ يعتق فيه رقاب العباد من النار، ويغفر لهم، قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-:

(ما مِن يومٍ أَكْثرَ من أن يُعْتِقَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيهِ، عبدًا أو أمةً منَ النَّارِ، مِن يومِ عرفةَ، وأنَّهُ ليَدنو، ثمَّ يُباهي بِهِمُ الملائِكَةَ)، وقال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث: (ما رُئِيَ الشَّيطانُ يَومًا هو فيه أصغَرُ، ولا أدحَرُ، ولا أحقَرُ، ولا أغيَظُ منه يَومَ عَرَفةَ، وما ذاك إلَّا لِمَا يَرى مِن تَنزُّلِ الرَّحمةِ، وتَجاوُزِ اللهِ عنِ الذُّنوبِ العِظامِ).

وتجتمع في يوم عرفة عدّة خصائص من شأنها أن تجعل له مكانة عظيمة، ومنها ما يأتي:

يُعَدّ من أيّام شهر ذي الحجّة الذي هو من الأشهر الحرم، كما أنَّ شهر ذي الحجّة من أشهر الحجّ، ويوم عرفة من الأيّام التي أثنى الله -تعالى- عليها في القرآن الكريم واصفاً إيّاها بالأيّام المعلومات؛ فقد قال: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ).

يُعَدّ من الأيّام العَشر التي أقسم الله -تعالى- بها في سورة الفجر؛ قال -تعالى-: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، وهذا دليل على شرفها وعظمها.

يُعَدّ من الأيّام التي لها فضل وميّزة على باقي أيام السنّة، وفيه أتمّ الله نعمته على الأمّة الإسلاميّة، وأكمل لهم دينهم، قال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا).

يُباهي فيه الله -تعالى- ملائكته بالحُجّاج؛ قال الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ اللهَ يُباهِي بِأهلِ عَرَفَاتٍ أهلَ السَّماءِ ، فيقولُ لهُمْ : انظُروا إلى عِبادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا).

يُعَدّ يوماً للتكبير، وهو رُكن الحَجّ؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: (الحجُّ عرفةَ).

يُعَدّ من أيّام العيد بالنسبة إلى حُجّاج البيت الحرام؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: يومُ عرفةَ ويومُ النَّحرِ وأيَّامُ التَّشريقِ عيدَنا أَهلَ الإسلامِ ، وَهيَ أيَّامُ أَكلٍ وشربٍ

حُكم صيام يوم عرفة للحاجّ وغيره

يُندَب لغير الحاجّ صيام يوم عرفة، أمّا صيامه للحاجّ، فللفقهاء فيه تفصيل كما يأتي:

 الحنفية والمالكية: ذهبوا إلى كراهة الصوم للحاجّ في يوم عرفة، وقيَّد الحنفيّة الكراهة بشرط أن يُضعِف الصومُ الحاجَّ.

الشافعية: ذهبوا إلى جواز صيام عرفة للحاجّ، واشترط الشافعية أن يكون الحاجّ مُقيماً في مكّة، وذهب إلى عرفة في الليل، أمّا إن كان ذهابه إلى عرفة من مكّة في النهار فصيامه مُخالف للأولى، بينما يُسَنّ الفِطْر للمسافر مُطلقاً عند الشافعية.

الحنابلة: يُستحَبّ عندهم أن يصوم الحاجّ يوم عرفة، إلّا أنّهم اشترطوا أن يكون وقوفه في عرفة في الليل، وليس في النهار؛ فإن وقف فيه في النهار فصومه مكروه.

ويُشار إلى أنّ السبب في استحباب الفِطر في يوم عرفة لِمَن كان واقفاً في عرفة أنّ الحاجّ بفِطره يقوى على الطاعة والدعاء؛ فالصوم قد يُتعِب الحاجّ ويُضعِفه عن الدعاء، والإكثار من الصلاة، والذِّكر؛ فيوم عرفة يوم ذكر ودعاء.

وقد أفطر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يوم عرفة، قالت لبابة بنت الحارث: (أنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَومَ عَرَفَةَ في صَوْمِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو صَائِمٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ليسَ بصَائِمٍ، فأرْسَلَتْ إلَيْهِ بقَدَحِ لَبَنٍ وهو واقِفٌ علَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ)
الجريدة الرسمية