مزاجنجية الشوارع.. مليونَا مقهى تستقبل ملايين الشباب والعواطلية.. و150 ألف «قهوة» في القاهرة فقط.. الزيادة السكانية وارتفاع أسعار الأندية والحدائق أبرز الأسباب.. والبحث عن منفذ للخروج الأهم
حينما تسير في شوارع القاهرة الكبرى، وحتى إن كنت من سكان محافظات الدلتا، أو الوجه القبلي، وأيا ما كان محل سكنك، عليك أن تكون على استعداد تام، لرصد حالة يصفها البعض بالظاهرة، لتمددها وانتشارها في كافة ربوع "المحروسة"، وهي انتشار المقاهي والكافيهات في الشوارع بشكل ملفت للنظر.
بين كل مقهى وآخر يتواجد مقهى ثالث، مقاعد بلاستيكية تتمدد بعرض الشارع أو طوله، أصوات كركرة الشيشة ومكبرات الصوت الملحقة بجهاز التلفاز الضخم، هما المسيطران على المشهد منذ الساعات الأولى من اليوم وحتى نهايته، "المزاجنجية" وزبائن المقاهي الدائمون لم يجدوا متنفسا لهم على حد وصف بعض علماء النفس والاجتماع، خاصة بعد ارتفاع أسعار وسائل الترفيه الأخرى، وهو ما جعل عدد المقاهي في مصر وفقا لتقرير أعده الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، يصل إلى 2 مليون مقهى، منها 150 ألفا في القاهرة فقط.
أسباب الانتشار
علماء نفس واجتماع أرجعوا سبب انتشار المقاهي في شوارع مصر إلى أبعاد اقتصادية وسلوكية وثقافية، فبرغم أن مصر منذ قرون عدة تشتهر بالمقاهي الشعبية ذات الطابع المصري الخالص، إلا أن الأمر في هذا الوقت تحديدا اتخذ بعدا جديدا ومختلفا عما كان عليه في السابق.
الدكتور يسري عبد المحسن استشاري الطب النفسي، رأى أن ظاهرة انتشار المقاهي في مصر ليست أمرا جديدا على المجتمع المصري، وذلك لأن الشريحة الوسطى والفقيرة كبيرة جدا، وتمثل معظم نسيج المجتمع، وفي نفس الوقت تلك الشريحة أصبحت غير قادرة على تمضية وقت فراغها في أماكن الترفيه والترويح عن النفس، ما يدفعها للجوء إلى المقاهي، فهي بذلك المتنفس لعموم المصريين.
وأضاف:" أصبحت المقاهي بمثابة الأندية والحدائق الخاصة بهؤلاء الأشخاص، فضلا عن أن تكلفة المقاهي ليست مرتفعة، وأصبح من السهل على أي شخص جلب مجموعة من المقاعد وفتح مقهى في أي شارع وبكل سهولة، فأنا أرى الأمر برمته دليلا فقط على ارتفاع عدد المنتمين للطبقة الوسطى والمتدنية، وأصبحت زيادة المقاهي نتيجة طبيعية لذلك".
الزيادة السكانية
أما الدكتور على الجلبي أستاذ الاجتماع بجامعة الإسكندرية، فيرى أن عدد السكان يرتفع، والطلب على المقهى أصبح في تزايد مستمر، لأن السكان وجدوا أنها الوسيلة الوحيدة والمتنفس الوحيد لهم، فكل شيء أصبح بمقابل، حتى شواطئ الإسكندرية وغيرها من المدن الساحلية أصبحت بثمن، فمن أين سيأتي هؤلاء بأموال يدفعونها للجلوس على الشواطئ، وكذلك الحدائق المجانية.
فقديما كانت الناس تتوزع بين المقاهي والحدائق والشواطئ، أما الآن فلا يجدون سوى المقاهي، ومعها انتشرت العادات السيئة والبلطجة، مشيرا إلى أن الدولة تتحمل وحدها نتيجة هذا الخطأ، حينما أغلقت كافة الوجهات الترفيهية أمام المواطن، والحل يكمن في إعادة فتح كافة المنافذ المغلقة والمسدودة في وجه المواطنين، حتى يجدوا أماكن بديلة عن المقاهي لتمضية وقت الفراغ.
على الجانب الآخر، أكد الدكتور أحمد هلال أستاذ الطب النفسي، أن زيادة عدد المقاهي ووجود مقهى في كل شارع وأسفل كل منزل هو ما سعى إليه المصريون وأرادوه، وذلك لرغبتهم في الركون إلى الكسل، والتحليق في دائرة اللا فعل واللا حركة أطول وقت ممكن، وأضاف: "نحن أصبحنا نعيش وسط جماعة من "المساطيل" والباحثين عن كافة أسباب الإلهاء والسعي وراءها، وأصبح الكسل هو الصفة المسيطرة على المصريين، والكراسي ممتدة بطول الشارع، والشباب يملأون المقاعد ويتحرشون بأي سيدة تعبر أمامهم، كل هذه الأمور جديدة ومستحدثة على طبيعة المجتمع المصري، ولم نشهد ذلك في سنوات سابقة على الإطلاق"، وتابع: " لماذا لا توقف الدولة إصدار التصاريح بفتح المقاهي، حتى نقضي على ظاهرة ما بين المقهى وأخرى مقهى ثالث".
"نقلا عن العدد الورقي..."
