محمد التابعى يكتب: ذكريات صيفية
في مجلة آخر ساعة عام 1958 وفى مجموعة مقالات أعاد نشرها الكاتب الصحفى محمد التابعى خول المصيف في مصر وذكرياته كتب مقالا يقول فيه:
قبل صيف عام 1940 أصبح الطريق إلى التصييف في أوروبا مسدودا بل ومستحيلا بسبب الحرب العالمية الثانية.
ونتيجة لهذا اضطر الكبار وعلية القوم الذين كانوا يفرون من الحر إلى أوروبا إلى أن يقتنعوا راضين أو كارهين برمل الإسكندرية أو شاطئ بورسعيد أو بورفؤاد.
إلا أن غارات طائرات المحور الألمانية والإيطالية بدأت تزلزل الإسكندرية وبورسعيد، واضطر المصيفون إلى أن يلجأوا إلى مصيف رأس البر المتواضع الهادئ الفقير لأنه كان أمينا وبعيدا عن الأهداف العسكرية.
ولأول مرة في ذلك الوقت عرفت رأس البر في شوارعها أصحاب المقام الرفيع والدولة والمعالى، فصاحبة السمو الملكة نازلى وبناتها يقمن في فندق "كريستال" المواجه لرأس البر.
أما مصطفى النحاس باشا فيقيم هو وأسرته في فندق "كولرتيل"، ويقيم إسماعيل صدقى باشا في فندق "مارين فؤاد" ويقيم معالى مكرم باشا عبيد بجناح في فندق كولرتيل أيضا.
أما أنا فمن هواة رأس البر، وكان لى عشة صغيرة على شاطئ البحر مباشرة، وكانت عشتى أشبه بدار ضيافة للأصدقاء الذين يقيمون معى ويؤنسون وحدتى.
كان في العشة ثلاث حجرات بكل حجرة سريران، والشرفة تطل على البحر، وحتى من كانوا يقيمون في الفنادق كانوا يفدون إلى العشة لتمضية السهرة والزيارة، ومنهم السيدة أم كلثوم ويوسف وهبى ونجيب الريحانى الذي كان يصطحب معه استيفان روستى وبديع خيرى.
وفى نفس العشة كان يقيم معى سليمان نجيب وتوفيق الحكيم وكامل الشناوى وأحمد الصاوى محمد وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الوهاب.
كنا نخرج للنزهة على شاطئ البحر سيرا على الأقدام، وغالبا إلى حيث تجلس أم كلثوم التي كانت دائما تجلس أمام عشتها في رأس البر أو أمام عشتى تحت المظلة وفى يدها كتاب، وكنا نجلس حولها على الرمال، وكانت توزع نكاتها علينا بالعدل والقسطاس وسط أجواء مرحة رائعة.
كنا نلتقى أم كلثوم يوميا في عشتى المتواضعة مع نجوم أهل الفن واحيانا السياسة، أما هي فغالبا ما كانت تأتى بصحبة ابن شقيقتها المهندس محمد الدسوقى ويالها من أحاديث سمر وأحيانا طرب.
"كانت أم كلثوم دائما تسألنى طابخين إيه النهارده، لأن أطباقها المفضلة كانت البط على الطريقة الدمياطية التي افضلها وطبق الملوخية والرقاق وورق العنب"، وإذا وجدت القائمة عندى تضم أحد هذه الأنواع ترد قائلة: "اعملوا حسابى عندكم النهاردة".
كانت إذا تهامسنا في حديث عن أحد المصطافين تقول أعوذ بالله من لسانكم اللى زى المبرد، ومع ذلك تخوض معنا في الحديث وتقول (حاتطلق لسانك على مين انهاردة) فإذا كان من الوجود كامل الشناوى تقول له "اوعى تنزل البحر لحسن تعمل فيضان" وإذا كان المطرب الشعبى محمد عبد المطلب موجود عندى تقول "اوعى تخرج لحسن قرعتك تسيح" فنضحك جميعا، وياويله من يصيبه الدور من سخريتها.
كنت اجتمع في المساء مع أصحابى الفنانين في مسرح البيومى حيث عروض الفرق الفنية من القاهرة، المهم إنى في رأس البر هناك فصل تام بين الاستمتاع بالمصيف وبين عملى الصحفى، هناك اندماج مع الأصدقاء مع وعد بأن أي حدث ليس للنشر.
