رئيس التحرير
عصام كامل

عاشوا في مصر (10)


مصر.. كنانة الله في أرضه.. منذ ما قبل التاريخ اتسع صدرها لمن ضاقت عنه كل دول العالم، واحتوت كل الطوائف، وشهدت أرضها نزول الديانات السماوية، وزارها غالب أنبياء الله.. تاريخها سبق تاريخ كل الأمم... إنها "أم الدنيا"، و"المحروسة".. من بين من عاشوا بها، رموز غيرت وجه التاريخ، نروي هنا بعضًا من تفاصيل حياتهم، ونستعرض شيئًا من جوانب عظمتهم.


آل البيت
بعد مأساة كربلاء، واستشهاد رجال آل البيت، كما تروي كتب التاريخ.. قادت السيدة "زينب بنت على"، عقيلة البيت الهاشمي، نساء الدوحة النبوية، ومعهن السيد "على بن الإمام الحسين"، رضوان الله عليهم أجمعين، في رحلتهم المباركة إلى أرض مصر التي شرفت بقدومهم.

استقبلت مصر "أم هاشم" كما يليق بها، فتفاصيل ما جرى من إساءات من قبل الأمويين في حق العترة الطاهرة، كانت معروفة عند الجميع، وتأهب المصريون لاستقبال رمز الأمومة والتضحية والشجاعة، حفيدة رسول الله صلى الله عليه وآله، وسلم، التي لم قَصَّرَ الجميع في حقها، وتخلوا عن شقيقها الإمام الحسين، وخذلوه، في موقف كان أولى بهم أن يفتدوه بأنفسهم وأولادهم!!

خرج الآلاف إلى حدود مصر، يتقدمهم الوالي "مسلمة بن مخلد الأنصاري"، صحبها ركب مهيب، وهكذا كانت هي أول من يخطو بقدميها الشريفتين، وبصحبتها "على زين العابدين"، ابن سيدنا ومولانا "الحسين"، من العترة الطاهرة تراب مصر.

أنزلها المصريون مكانًا عليًا، ليس في المكان فحسب، إنما في قلوبهم وضمائرهم، أقامت في قصر الوالي "مسلمة" بالفسطاط نحو العام، حتى أسلمت روحها إلى بارئها، ودُفِنت حيث مرقدها الآن، ولكنها بالنسبة للمصريين أقامت في قلوبهم، يفنى قلبٌ فيقوم مرقدها في قلب آخر، وشيئًا فشيئًا أصبحت مركزًا مشعًا للطمأنينة، والحماية، وأمًا للعواجز، وملاذًا للمساكين، المستضعفين.

ومنذ قدوم الوفد الشريف، احتضن المصريون أغصان الدوحة الطاهرة، من آل بيت الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، وتعلقوا بهم وهم أحياء بينهم، وحفظوا سيرتهم بعد رحيلهم، وأضفوا مكنونهم الثقافي والروحي على صفاتهم، واقتدوا بهم وأطلقوا أسماءهم على الأبناء والأحفاد، والصفات أيضًا.

من دخل مصر بجسده له ضريح ومزار في المكان، وفي الزمان، موعد يتجدد كل عام، يتم الاحتفال فيه بذكري مولد كل منهم، وأسبوعيًا لكل منهم حضرة، والحضرة لحظة نادرة، مكثفة عند القوم، يتم خلالها استحضار معنوي وروحي لشخص الحبيب الراحل.

ومن لم يدخل مصر بجسده، أقيم له مرقد رمزي في المكان.. وهكذا صدقت على المصريين الآية الكريمة: "قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ".

هكذا، لحضور آل البيت مقام قوي، مشع، في القلوب، الذين دخلوا مصر وأقاموا بها، ورقدوا في ترابها بطهرهم، لهم أضرحة مشهورة، ويعتبرها المصريون مقصدًا وملاذًا لهم، وتنسب إليهم مناطق شاسعة من القاهرة، فالقاهرة موزعة على آل البيت، وآل البيت أركانها.

وسيدنا "الحسين" هو المركز، صميم البؤرة، والمنطلق إلى الجهات الأربع، أصلية وفرعية، في القاهرة أو غيرها من مدن مصرية، تلك منزلة مسجد وضريح سيدنا الحسين، رضي الله عنه، عند المصريين قاطبة.

واسم سيدنا "الحسين" عند المسلمين، خاصة المصريين، يعني الكثير من الدلالات.. فهو يعني الاستشهاد من أجل الحق، وإقرار العدل، ورفض الضيم، وافتداء الجمع بحياة الفرد، لكي يتحول الوجود المادي إلى معنوي، ممتد، فلا زمن يحده، ولا مكان يقيده.

وفي منطقة الجمالية مسجده الذي يحوي ضريحًا يضم رأسه الشريف، ينبعث من أرجائه، عطر خفي، وظلال هادئة، وطوابير الساعين إلى الصلاة في رحابه، وزيارة مرقد الرأس الشريف، لا ينقطعون ليلًا أو نهارًا، يسعون إليه من القرى النائية، والواحات المعزولة في الصحراء، والمدن القريبة والبعيدة، تنتظم حوله الحياة في أجمل مشاهدها، يفيض المكان بالطمأنينة والسكينة، بالرضا.
الجريدة الرسمية