رئيس التحرير
عصام كامل

أحمد بهاء الدين: تطور الأنوثة والرجولة

أحمد بهاء الدين
أحمد بهاء الدين
18 حجم الخط

في مجلة روز اليوسف عام 1955، كتب الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين مقالا قال فيه:
"كتبت من قبل مقالا انتقدت فيه عادة التدخين، فجاءني خطابا من فتى وفتاة مخطوبين يتبادلان الحب، ولكن شيئا واحدا يهدد سعادتهما في المستقبل هو تدخين السجائر".


وأضاف: "والمشكلة هي أنها تدخن بانتظام، في حين أنه لم يذق طعم السيجارة في حياته، وهي تعتقد أن من حقها أن تدخن؛ لأن التدخين ليس كالخمر التي تذهب العقل، إنما هو مجرد هواية أو مزاج كشرب القهوة أو الشاي، أما هو فهو يقول إن التدخين ينافي الأنوثة التي يجب أن تتوافر في المرأة، كما أنه لا يسمح أن يجلس مع أصدقائه وزوجته في مكان عام، فتقوم الزوجة بتوزيع السجائر على الأصدقاء، وتشعل هي سيجارتها".

وتابع: "قرأت الرسالة وأقول ليس هناك أي صلة بين تدخين السجائر وبين الأنوثة أو الرجولة، إن الأنوثة معنى نحسه نحن الرجال في المرأة، وهو معنى دائم التغيير".

واستطرد "بهاء الدين" في مقاله: "كانت الأنوثة مثلا فيما مضى الشعر المرسل الطويل والجسد المربرب البدين، أما اليوم فهي في الشعر القصير والثياب البسيطة والجسم الرشيق، وكانت الأنوثة التي ترضى الرجل هي أنوثة البنت الخام التي تسبل أهدابها حياء، وتجلس مع الناس صامتة، ويكسو وجهها حمرة الخجل، أصبحت الآن الأنوثة التي تجذب أنظار الرجال أنوثة المرأة الناضجة التي تفهم وتعرف وتتكلم، بل أصبح العصر الحديث يرى أن المرأة الغامضة التي كانت تجذب الرجال بالأمس، أصبحوا يرونها مبتذلة كريهة، وأصبح الغموض يدل على أن عقل المرأة جاهل، ونفسها معقدة، وروحها غارقة في الظلام".

وأردف: "أصبحت أنوثة المرأة الجديدة المستنيرة العقل والنفس تقوم على الصدق والصراحة، تعرف ما تريده بالضبط وتطلبه في شجاعة، فهي تضع يدها في يد الرجل لرفع الجدار الفاصل بينهما، لا أن تقيم بدل الجدار جدرانا، وتلعب معه لعبة الاستغماية التي تجهد الطرفين وتنهك أعصابهما.. إلى هذا الحد تغير معنى الأنوثة شكلا وموضوعا، تغير كما تغير أسلوب الكتابة مثلا، كان أسلوب الكتابة البليغ قديما يمتلئ بالاستعارة والتشبيه والكنايات، أسلوب كله تعقيد وزخرفة وغموض، أصبح الآن الأسلوب السهل المباشر البسيط الذي يقودك إلى الهدف".

وواصل في مقاله: "وكما تغير معنى الأنوثة تغير معنى الرجولة أيضا، كانت الرجولة فيما مضى معناها أن يكون الرجل مفتول العضلات عريض المنكبين يصرع عشرة رجال بيد واحدة.. لكن المجتمع الآن ليساس كمجتمع رعاة البقر، إنه مجتمع تتفوق فيه صفات العقل والعلم والثقافة، فأصبحت الرجولة في الأفق الواسع والإحساس بالمسئولية".

وتابع: "كان معنى الرجولة في الزواج مثلا أن تخاف الزوجة من رجلها، وتكون فاقدة الشخصية إزاءه، وكانت النصيحة القديمة تنصح الزوج بذبح قطة أمام العروس ليلة الدخلة، فترتعد وتظل تخشاه طول العمر".

واختتم "بهاء الدين" مقاله قائلا: "أما الآن فالرجولة في الرجل هي أن يحترم زوجته، وينمي شخصيتها، كان الرجل قديما إذا تركته زوجته طاردها بحكم الطاعة، وأرغمها على العيش معه. أما الآن فالمجتمع المتحضر لا ينظر إلى هذا التصرف على أنه رجولة. وأقول للخطيب لا تحزن يا أخي إذا أصرت زوجتك على التدخين، إن هذا لن ينقص من رجولتك، ولن يذهب بأنوثتها".
الجريدة الرسمية