رئيس التحرير
عصام كامل

يوسف إدريس يكتب: نعانى مجاعة ثقافية

فيتو
18 حجم الخط

في كتابه «خلو البال» جمع الأديب المفكر الدكتور يوسف إدريس مقالاته التي سبق نشرها في مختلف الصحف والمجلات.

وقال في إحداها: أصبحت كلمة الثقافة من كثرة تكريه الناس فيها وفى القائمين عليها كلمة ثقيلة على الأذن مع أنها في رأيى هي الحياة.. هي الموسيقى، هي الشعر، هي الذوق الجميل، هي كل ما يحيل الإنسان المعدة والغريزة إلى إنسان أرقى وأعظم.. أعظم استمتاعا حتى بمعدته وغريزته.


ما حدث في مجال الثقافة خلق لدى الكتاب والفنانين نوعا من التحدى حتى لكأن كلا منهم كان يريد أن يقوم بثورة 23 يوليو أو 15 مايو خاصة به.

لكن الفنان مهما تحدى فهو فرد، والدولة مهما تسامحت فهى أجهزة وموظفون، لكن الذين اختيروا للإشراف على الأنشطة الفنية والثقافية كانوا في أغلب الأحيان موظفين لا يهمهم إلا الاختصاصات والمناصب حتى إنهم قسموا الكتاب إلى يمينيين ويساريين.

وعناصر هذه العقلية الوزارية لا تعرف أبدا معنى أن يكون الإنسان فنانا أو كاتبا، إذ إن المعنى الوحيد الذي يجبر الإنسان أن يجلس الأيام والليالى أو يقضى عمره حبيس القلم والحبر.. إنسان بطبعه ـــ وكما خلقه الله سبحانه وتعالى.. متمرد يريد أن يغير في الناس ليغيروا من أنفسهم طبعا إلى الأحسن والأرفع.

ولا يمكنك ومن المستحيل تماما أن "تهجن" الكاتب الحقيقى أو تحيله من متمرد إلى إنسان مستأنس، وكان الهدف من العقلية الوزارية هو تأنيس هذا التمرد ومواجهة التحدى بالقوة العضلية والفصلية والتعسفية.

وفى النهاية نجحوا ليس في أن يستأنسوا الكتاب وإنما في أن يقرفوهم تماما وبهذا تفككت أجزاء حركة ثقافية متكاملة.

والأدهى من ذلك أن الحركة الثقافية لكى تكون حركة ثقافية حقيقية يجب أن تبيض كل يوم بيضة ذهب، وأن تخلق باستمرار أجيالا جديدة شابة تطرب لتمردها.

ومن الحقائق العلمية المعروفة أن الإنسان إذا جاع تألمت معدته تطلب الطعام، فإذا جاع وجاع سكتت الآلام شيئا فشيئا حتى تنقضى تماما آلام الجوع.

وأنا هنا لا أتحدث عن الحركة الثقافية ولكنى أتحدث عن جماهير القراء، عن جماهير الشعب، أن شعبنا أيها الناس في حالة مجاعة ثقافية هائلة، شعبنا يريد أن يعرف، فالمعرفة غريزة، والبرامج التي تقدمها الإذاعة والتليفزيون وحتى الصحافة لا تفتح هذه النفس الغولة "المصدودة" من كثرة ما انتظرت الطعام.

وحقيقة ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ـــ كما قال المسيح عليه السلام ــــ إن طعام العقل لا يقل أبدا عن طعام الجسد، وإن كانت الدولة تدفع دعم رغيف الخبز بمئات الملايين من الجنيهات فإنها تترك رغيفنا الثقافى دون أي دعم أو حتى رعاية، بل إنها في النهاية أغلقت فرن وزارة الثقافة.. وحسنا فعلت.

كان المفروض أن تلغى العقلية التي كانت سائدة في وزارة الثقافة وتخلق وزارة أخرى.. وزارة ثقافة خلاقة، عملها أن ترعى ويديرها المثقفون.
الجريدة الرسمية