رئيس التحرير
عصام كامل

«مصيدة الموت».. يوميات طلاب الأزهر مع طريق النصر (معايشة)

فيتو

على مسافة قريبة من البوابة الرئيسية لجامعة الأزهر بطريق النصر، وفي تمام التاسعة والنصف صباحا، يسيرون بخطى حثيثة صوب حرم الجامعة، حاملين في أيديهم "كشكول المحاضرات"، ويحمل البعض الآخر فوق ظهره حقيبة العودة من مسقط رأسه بإحدى محافظات الدلتا أو الصعيد، يتقدم البعض ويتراجع آخرون، تلك اللحظة التي تعد بمثابة الفصل الأخطر في حكاية "رحلة الذهاب والإياب من جامعة الأزهر" كل يوم.


على جانبي الطريق تتدافع السيارات ما بين الأجرة والملاكي دون هوادة، هناك الصراع قائم طوال الوقت ما بين شاب يريد عبور طريقه نحو بوابة الجامعة وسيارة قادمة بأقصى سرعة لها في اتجاه الضواحي الداخلية للحي.

"كل يوم إحنا في الأزمة دي نصف ساعة ممكن نضيعها من اليوم واقفين مكانا مش عارفين نعدي لبوابة الجامعة بسبب سرعة السيارات"، يتحدث أحد طلاب الفرقة الأولى بكلية التجارة جامعة الأزهر، لافتا إلى تكرار وقوع حوادث دهس لطلبة الأزهر أثناء عبورهم الطريق السريع من وإلى الجامعة على مدى اليوم، وخاصة خلال الفترة الأخيرة.

صباح أمس السبت، كان الطالب أسامة مسلم، ابن مركز الفشن محافظة بني سويف، في طريقه من مسكنه بالمدينة الجامعية إلى كليته بالقرب من بوابة الدخول الخاصة بكلية التربية، حينما داهمته سيارة وسقط أرضا بينما فر قائد السيارة هاربا، ليلفظ أسامة أنفاسه الأخيرة أمام البوابة التي وصمت منذ ذلك الوقت بـ"بوابة الموت"، ما اضطر الجامعة لاتخاذ إجراءات بإغلاق بوابة كلية التربية، وتعليق لافتة صغيرة تشير إلى توفير بديل للدخول وهو بوابة كلية الطب الكائنة في أحد الشوارع الجانبية للجامعة.

«كوبري الفنجري أسوأ حاجة اتعملت في الجامعة، كنت بعدي في الأول قبل ما يتعمل الكوبري ده، وكانت بردو العربيات مبتقفش، بس كنا بنعدي مجموعات بنين وبنات ونحمي بعض، لكن من ساعة الكوبري ماتعمل الحوادث كترت جدا»، يروي الطالب «أحمد» متأثرًا بموت صديقه أمس، فلم يعد قادرًا على الذهاب لجامعته بعد فقده صديق الدراسة.

"أنا كتير كنت معرض لحادث سير أثناء عبوري الطريق للوصول للجامعة من الباب الرئيسي أو باب تربية، وكان ربنا بيستر وبقف على آخر لحظة بين عربتين وبعرف أوازن بينهم ميخبطونيش، أنا مع دراستي بشتغل سواق وعارف إنه ده طريق محرم قانونا يمشي فيه المارة لازم مطب أو كوبري مشاه قريب من البوابة بدل الكوبري اللي بيبعد ربع ساعة عن الجامعة"، بهذه الكلمات تحدث "أحمد" ابن مركز الصف بالجيزة والطالب بكلية الدراسات الإسلامية.

بعد حادث وفاة الطالب أسامة، انتفض الطلاب وبدأت مشاعر التذمر والرفض تتسلل إلى نفوسهم، فبالأمس كان أسامة ولا أحد يعلم أي منهم سيكون دوره في الغد!، نظموا وقفات احتجاجية أمام مقر إدارة الجامعة للتنديد بسياسة اللا مبالاة التي انتهجتها الجامعة تجاه تلك الأزمة، ما ضاعف أعداد القتلى بين صفوف الطلاب، فما كان من الجامعة إلا أن وعدتهم بحل الأزمة خلال أسبوع من اليوم.

«شباب الأزهر دمهم مباح»، كلمات يرددها الأزهريون بجامعتهم في كل الأوقات، فمنذ أيام قليلة استيقظ الجميع على حادث أليم، حادث سقوط سيارة من أعلى محور كوبرى الفنجرى بمدينة نصر، أمام جامعة الأزهر، وأسفر عن مصرع 4 طلاب، هم «تسنيم أحمد مصطفى، وشروق عماد الدين محمد عزب»، وتبلغان من العمر 19 عاما، و«محمد أسامة كمال السعيد، ومحمود أيمن محفوظ طه»، وهم طلاب من جامعة عين شمس، ولم تمر على الحادثة أيام معدودة، إلا وحادثة جديدة رُسمت على أسفلت طريق جامعة الأزهر المميت، ليكون الضحية الجديدة الطالب أسامة صقر، من محافظة بني سويف، بالفرقة الأولى بقسم التكنولوجيا بكلية التربية، وتصبح الحادثة الرابعة في أقل من عام.

في السابعة صباحًا، يستقيظ «محمد.م»، الطالب بكلية الإعلام بالأزهر، ليواظب يومه في حضور المحاضرات، والتطبيقات العملية.. حتى عامه الثاني بالجامعة، كانت الحياة بالنسبة له بسيطة لا أزمات تؤرقها، لكن في عامه الثالث فقد صديقه المقرب على طريق "مصيدة الموت"، أمام البوابة الرئيسية للجامعة: «زميلي أحمد كان بيعدي الطريق والعربيات مكنتش كتير عشان تخبطه، لكن كان قدره، وعربية فاجأة ظهرت وشالته، مكملش دقايق وكان فاقد الحياة»، أثارت هذه الحادثة الكثير من المخاوف في قلب الطالب، فلم يعد قادرًا على الذهاب لقضاء وقته بالمحاضرات والدراسة كالمعتاد، والتزم منزله في معظم السنة الدراسية: «مابقتش بحضر، زمايلنا بيبعتوا المحاضرات للكل بنقلها وأذاكرها وبروح أمتحن على طول».

«دخلنا الجامعة عشان نموت قدامها»، بهذه الكلمات عبرت «مريم»، الطالبة بالفرقة الثالثة كلية الإعلام، عن غضبها من تكرار حوادث السير أمام بوابات جامعة الأزهر، بعد أن قررت الجامعة غلق البوابة الرئيسية لها، والاعتماد على البوابات الخلفية للدخول: «إحنا بنشوف الموت كل يوم، كتير من زمايلي اتعرضوا للموت وربنا نجاهم بأعجوبة، بس إحنا لا هنعيب في إدارة المؤسسة ولا غيرها، إحنا هنتصرف ونشوف حل للموضوع دا بنفسنا، هنجمع من بعض ونبني كوبري مشاه على حسابنا المهم نعيش».

لم يكن الطلاب فقط ضحية الإهمال على طريق جامعة الأزهر، فأُصيب أحد أساتذة كلية الطب أيضًا أمام بوابة كليته.
الجريدة الرسمية