قصة إيان دالاس «الساحر المجدد».. دخل الإسلام من باب التصوف.. وانضم للطريقة الحبيبية الدرقاوية الشاذلية بالمغرب.. أسس في مدينة «نورويتش» ببريطانيا أول نواة صوفية بأوروبا في التاريخ
كان إيان دالاس، المولود في أسكتلندا عام 1930 لأسرة أرستقراطية، شابًا عاشقًا للكتابة، ذا طموح لا حد له في هذا المجال الرحب، فقد كان كاتبًا مسرحيًا، وعمل مُعدًا للبرامج في البث الإذاعى لمحطة «بى بى سي» في بداياتها، وكان يومًا ما رئيسًا لتحرير جريدة «The international times»، ولم يكتفِ بهذا كله بل قرر أن يخوض تجربة التمثيل، فدخل هذا العالم وسافر إلى دول عدة، وكانت إيطاليا على رأسها، حيث شارك هناك مع المخرج الإيطالى الأشهر فريدريكو فيللينى في بعض أفلامه، فقد كان هو الساحر في فيلم «8 ونصف».
مستقبل لامع
ومع مرور الأيام، بدأ نجمه يلمع، وكان الجميع وهو نفسه يرى مستقبله مفعمًا بالنجاح في عالم الفن، ولكنه وهو في ريعان شبابه، وحينما كان في عامه الـ 37 عدَّل القدر مسار حياته، وانقلب طريقه رأسًا على عقب، فقد اعتنق إيان الإسلام في فاس بالمغرب على يد إمام مسجد القرويين، الشيخ عبد الكريم الداودى.
وانتهت مع هذه اللحظة رحلة إيان دالاس، الفنان والكاتب، لتبدأ رحلة عبد القادر المرابط الصوفى الذي اعتنق الدين الحنيف، وأصبح شيخًا لإحدى الطرق الصوفية المغربية، وأحد أئمة التصوف الإسلامى في الغرب.
اعتنق عبد القادر الإسلام من باب التصوف، وانضم إلى الطريقة الحبيبية الدرقاوية الشاذلية في المغرب، كان متعلمًا لدى الشيخ محمد ابن الحبيب الدرقاوى من مكناس المغربية، شيخ الطريقة الحبيبية الدرقاوية الشاذلية.
تلقى على يديه العلم، وتتلمذ على يديه، وسبح في بحور الصوفية حتى أطلق عليه الشيخ محمد بن الحبيب لقب الصوفي، كما تلقى المزيد من العلم على يد الشيخ محمد الفيطورى من بنغازى بليبيا.
وبعد سنوات قضاها في تلقى العلم، وفى التعمق في الصوفية وبحورها، وجد الشيخ محمد بن الحبيب في عبد القادر الصوفى خير من يُمثله لإيصال رسالة الإسلام والصوفية في الغرب، وفيما بعد أعلن الشيخ عبد القادر نفسه وريثًا لسر الشيخ محمد بن الحبيب، وأصبح شيخ الطريقة الحبيبية الدرقاوية الشاذلية في الغرب.
مؤلفاته
ألف عبد القادر عددًا من الكتب عن الإسلام والصوفية والنظرية السياسية، وكان يوجه انتقاداته للرأسمالية المعاصرة، وساهم في نشر الإسلام بصفة عامة والطريقة الحبيبية الصوفية في أوروبا، وكانت بداية هذا الانتشار مع عبد القادر من مدينة «نورويتش» ببريطانيا، التي أسس فيها أول نواة إسلامية صوفية في أوروبا في التاريخ الإسلامي، بعدها انطلقت دعوته إلى إسبانيا، حيث دشن الشيخ عبد القادر الصوفى الحركة العالمية للمرابطين التي كان مؤسسها ورئيسها، ثم واصل رحلته باتجاه القارة العجوز بأكملها.
أمريكا الشمالية
واتجهت البوصلة بعد ذلك إلى أمريكا الشمالية التي أسس فيها أول مركز صوفى ولكنه لم يستمر طويلًا، وانتشرت أفكاره أيضًا في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، حيث أسس في الأخيرة كلية دالاس في كيب تاون بجنوب أفريقيا عام 2004 كمعهد ينتج جيلًا من الزعماء المسلمين في مختلف مجالات العلوم، وكان له مريدون كثيرون من كل هذه الدول التي انتشرت فيها أفكاره.
أشرف الشيخ عبد القادر الصوفى بنفسه على ترجمة مجموعة مهمة من المتون الإسلامية لأول مرة إلى اللغة الإنجليزية، ومنها الموطأ لمالك بن أنس، وهى مدرسة الفقه التي كان يؤمن بها الشيخ عبد القادر وطريقته، وساعده مريدوه والمنضمون للطريقة في إتمام هذه المهام، حتى تُرجمت كثير من كلاسيكيات العربية للناطقين بالإنجليزية لأول مرة، وكان الشيخ عبد القادر يشجع أتباعه ومريديه على الاحتكاك بالنصوص الصوفية المغربية، التي تملك رسالة توجيهية تربوية، كرسائل الشيخ العربى الدرقاوي، ورسائل الشيخ على الجمل العمراني، ومجموعة من القصائد الدرقاوية التوجيهية.
التصوف المغربي
ورث عبد القادر التصوف المغربى عن شيوخه، سلوكًا وفقهًا وعقيدة، ولكنه تعامل مع هذا الإرث من منطلق البحث في المنطق والأخذ بالأسباب، وساهم ولا يزال في تجديد الفكر الدينى الإسلامي، وخلق مجالًا جديدًا من الاجتهاد، فقد كان لدى الشيخ عبد القادر الصوفى مشروع إصلاحى تجديدى يستهدف به إعادة أمجاد أمة الإسلام من خلال محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أحد عناصر الفكر الصوفى الأساسية لدى الشيخ عبد القادر، فقد اهتم بالسيرة النبوية، لا سيما بكتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم» للقاضى عياض، الذي كان يعتبره الكتاب الثالث للتربية الإسلامية الأصيلة بعد القرآن الكريم بتفسير «الجلالين» و«موطأ مالك»؛ لأنه يحكى حياة الرسول وتفاصيلها دون وهم أو خرافة أو مبالغة في سرد الأحداث، ودون تأملات ميتافيزيقية، ولأن هذا الكتاب يُمثل صورة الإسلام الذي شوهته آراء علماء الدين المنحرفين لأعوام طوال.
كما أنه يُبدى اهتمامًا ببعض الممارسات الشعائرية التي تُقيمها طريقته كالذكر والسماع والأناشيد الدينية التي يوظفها كأسلوب للتربية اقتداء بشيوخه المغاربة، ومن أبرز مكونات هذا السماع التغنى بقصائد الشيخ محمد بن الحبيب في ديوانه «بغية المريدين السائرين وتحفة العارفين السالكين»، كما يأخذ الدعاء الناصرى للشيخ المغربى محمد بن ناصر الدرعي، وقصيدة البردة للإمام شرف الدين البوصيرى المغربي، حيزًا مهمًا في جلسات السماع الصوفى للزاوية الحبيبية في الدول الغربية.
يستقر الشيخ عبد القادر الصوفى حاليًا في جنوب أفريقيا، بعد رحلة طويلة من تمثيل الإسلام في الغرب، قد تختلف عليه وحول أفكاره الآراء، ولكن يصعب، حتى على المختلفين معه، إنكار مدى تأثير مسيرته الطويلة.
المصادر:
عزيز الكبيطى إدريسي، التصوف الإسلامى في الولايات المتحدة الأمريكية، مظاهر حضور التصوف المغربى وتأثيراته، الجزء الأول، بيروت: دار الكتب العلمية.
