رئيس التحرير
عصام كامل

باي باي الهند!


كنت أظن أنى سأتركها في مطار أنديرا غاندى العتيق بالعاصمة الهندية نيودلهي، بل ظننت أنى تركتها بالفعل حينما حزمت أمتعتى، لم أكن أظن أنها ستظل تطاردنى هكذا في حلى وترحالى، لم أكن أعلم أنى صعدت بها على الطائرة وأخفيتها عن الجميع حتى وصولى إلى قاهرة المعز.


إنها الهند يا سادة التي مثلت لى نموذجًا لا يمكن أن أنساه في بساطتها وعمقها، البعض يلومنى عن سبب حبى لهذا البلد وهم لا يعرفون أنى أعشق البساطة والعمق أعشق تلك التفاصيل البسيطة في الأزقة والشوارع وعلى نواصى الشوارع.

شعب طيب ودود في معاملته أو هكذا أظنه في بلد مليء بالمتناقضات لن أنسى التفاصيل الصغيرة اللى قضيتها خلال رحلتى العلمية بنيودلهى بدء من أمن الفندق بشنبه الصعيدى وابتسامة ابن البلد مرورا بطاقم التدريس من الدكاترة وكبار الصحفيين وانتهاء بالبائعين في مختلف الأسواق.

ربما قرارى قبل سفرى أن أعيش التجربة الهندية بكل تفاصيلها هو الذي دعمني أن أعيشها كما رغبت، كانت تجربة ثرية لـ24 إعلاميا من 16 دولة تبادلنا خلالها الرؤى والخبرات المختلفة ربما عودنا جميعا أعواما للوراء حال كنا طلابا جامعيين فأفرزت النقاشات والحوارات نتاجا فكريا وثقافيا له ثقله.

الهند تُعد من أقوى الدول التي تستخدم القوى الناعمة في الترويج لسياستها ولصورتها الذهنية، فعندما تُذكر الهند تفر الذاكرة إلى بوليوود ورقصات الهند ونجوم بوليوود المشهورين، عندما تٌذكر الهند تتجه الذاكرة إلى الماهتما غاندى وإلى ذلك الزخم والتنوع الطائفى والثقافي والفنى.

لدى الهنود ولع حقيقي بالحضارة المصرية القديمة ولدى مسلمو الهند اهتمام بالغ بالأزهر الشريف كما تشكل الهند داعما لمصر على مر المواقف الثقال التي واجهتها في الحقب الأخيرة ومازالت علاقة غاندى بسعد زغلول وجمال عبد الناصر جواهر نهروا لها صداها الجيد في العلاقات المصرية الهندية ويجب علينا تعظيم الاستفادة من تلك الملامح المشتركة والعلاقات القائمة.

مشكلة البعض كما قال السفير حاتم تاج الدين سفيرنا المحترم في نيودلهي – أن القادم إلى الهند يعتقد أن بوصوله لمطار غاندى فإن الفرق الهندية في انتظاره وسرعان ما يدرك أنه أمام تجربة فريدة من نوعها متداخلة متشابكة في كافة تفاصيلها تتشكل من مفردات مختلفة بدء من الأطعمة المختلفة بتوابلها وبهاراتها وعربات الطعام المنتشرة بطول الشوارع وكذلك عربات الآيس كريم، التجربة تتضمن المهرجانات والاحتفالات المختلفة التي تقام في الشوارع والأماكن المختلفة، التجربة تتضمن الشعب الهندى الطيب بابتسامته الهادئة واستقباله للضيوف بود وترحاب، التجربة لا تكتمل إلا بزيارة معابدهم المنتشرة بالأماكن المختلفة في تنوع يعكس ثراء التجربة.

البون في الهند ما زال متسعا بين الأغنياء والفقراء ولكن المساعى التنموية مازالت مستمرة لرأب ذلك الصدع خاصة أن الهند تُعد أحد أكبر اقتصاديات العالم وتشهد نموا اقتصاديا حقيقيا مع توجهها لمجال التصنيع خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

الهند ليست الدولة فائقة النظافة وأعتقد أنها مشكلة أساسية وهناك نقص في الوعى الصحى لدى المواطنين، لذا فقد تجد حلاقًا يقوم بعمله في الشارع بإمكانيات بسيطة دون أن يمتلك محل للقيام بمهام أعماله، مستوى الفقر قد يصل 28% لذا فليست غريبة أن تجد مسنا هنديا يقود عجلة مزودة بمقعدين خلفيين لنقل الركاب مقابل عدد من الروبيات.

كانت بالفعل تجربة لها رونقها ولها بصماتها الإيجابية متمنيا أن نستفاد من التجربة الهندية في تحولها الاقتصادى وتجربتها التنموية والديمقراطية وبما يخدم أهدافنا القومية.
الجريدة الرسمية