عبدالحليم محمود يكتب: ليلة الرفعة والشرف
في مجلة آخر ساعة عام 2012، نشرت حلقات حول كلمات الشيخ عبد الحليم محمود عن شهر رمضان، فعن ليلة القدر قال:
«سمى القرآن الليلة التي نزل فيها القرآن ليلة القدر، أي ليلة الشرف والرفعة، ووصفها بأنها مباركة يقول الله تعالى:
"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، ومادام القرآن قد أنزل في ليلة القدر وأنه سبحانه وتعالى قد أنزله في شهر رمضان، فإنه يتعين أن تكون ليلة القدر في شهر رمضان.
ويتساءل الناس: أي ليلة هي في شهر رمضان؟
إذا نظرنا إلى القرآن الكريم فإننا نجد أنه لم يحددها، ولم يحددها الرسول صلى الله عليه وسلم تحديدا تاما، وإنما حددها على التقريب، فإنه صلوات الله وسلامه عليه يقول فيما رواه البخاري ومسلم رضي الله عنهما:
"تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان"، ولقد رآها كثير من الصحابة في السبع الأواخر من رمضان ويحددها أبو ابن كعب، وابن عباس رضي الله عنهما، وكثير غيرهما بأنها ليلة السابع والعشرين.
على أن المحاولات في سبيل تحديد ليلة القدر كثيرة وطريفة، مثلا ما قال بعضهم من أن عدد كلمات سورة القدر ثلاثون كعدد أيام رمضان، وكلمة "هي" تشير إلى ليلة القدر في قوله تعالى "سلام هي"، هذه الكلمة تمام سبعة وعشرين.
ومحاولة أخرى أن حروف ليلة القدر تسع حروف، وقد ذكرت ليلة القدر في السورة ثلاث مرات، وثلاثة في تسع بسبع وعشرين.
هذه محاولات، أما الثابت واليقين، هو أن القرآن لم يعينها تعيينا واضحا، وأن الرسول لم يحددها تحديدا تاما، وقال أسلافنا رضي الله عنهم: أخفى الرب أمورا في أمور لحكم ليلة القدر في الليالى لتحيى جميعها.
وساعة الإجابة في الجمعة ليدعو في جميعها، والصلاة الوسطى في الصلوات الخمس ليحافظ على الكل، والاسم الأعظم في أسمائه ليدعى بالجميع، ورضاء في طاعته ليحرص العبد على جميع الطاعات، وغضبه في معاصيه لينزجر عن الكل.
والولي في المؤمنين ليحسن الظن بكل منهم، ومجيء الساعة في الأوقات للخوف منها دائما، وأجل الإنسان عنه ليكون دائما على أهبة.
أما فضلها فإنه هائل ضخم، ففيها انزل القرآن هدى للناس، ثم إنه تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم، ثم هي سلام من أولها حتى مطلع الفجر.
من أجل ذلك كله كانت خيرا من ألف شهر، والألف شهر هي ثلاثة وثمانون سنة وأربعة أشهر، ومن فضل الله على المسلمين أن من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه».

