رئيس التحرير
عصام كامل

مصطفى المنفلوطي يكتب: فلسفة الفرح بالعام الجديد

فيتو
18 حجم الخط

في مجلة "الهلال" يناير عام 1946 كتب الأديب مصطفى لطفى المنفلوطى مقالا قال فيه:
في مثل هذا التوقيت من كل عام يقف ركب العالم السائر بمنزلة من منازل الحياة، فينزل عن مطاياه ليستريح فيها ساعة من وعثاء السفر، بعد أن نال منه الكلال، وأضناه سرى الليل وسيرة انتهاء ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا.


وتابع: "هناك يجتمع السفر في صعيد واحد فيتعارفون ويتصافحون، ويتفقد بعضهم بعضًا، فيجدون أن فلانًا مات جوعًا، وفلانًا مات ظمأ، وآخر افترسه سبع، وآخر قتله لص، وآخر مات غيلة، وآخر سقط عيا، وآخر هوت به طائرة، وآخر اجتاحه بركان، ثم يعودون إلى جرائد الإحصاء فيدونون فيها حاضرهم كما دونوا ماضيهم، ثم يوازنون بين هذا وذاك فيجدون أن الحاضر شيء من الماضى، وأن ميادين الحروب لا تزال ملوثة بالدماء، ومصانع الموت لا تزال تفتن في عدده وتستكثر من أدواته، وأن جذور الشر القديمة لا تزال ناشبة بنفوس البشر حتى ما يعتني أحد أن تقع عينه على أحد، وأن سحب البغضاء الغائمة لا تزال مخيمة على المجتمع الإنسانى".

وأضاف "المنفلوطي": "لا سعادة في الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء على هذا المجتمع البشري، ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف فعرف كل ذى حق حقه".

وواصل في مقاله: "قنع كل بما في يده، عما في يد غيره، فلا يحسد فقيرٌ غنيًا، ولا عاجز قادرًا، ولا محدود مجدودًا، ولا جاهل عالمًا، وأشعرت القلوب الرحمة والحنان على البؤساء".

واختتم المنفلوطي مقاله قائلا: "ومادامت هذه المطالب تعد أحلامًا كاذبة وأماني باطلة، فلا مطمع في سلام ولا أمان ولا أمل في سعادة ولا هناءة، ولا فرق بين أمس الدهر ويومه، ولا بين يومه وغده، ولا فرق بين مغفلات أيامه غير ما عرفت، وذاق من نعمائه غير ما ذقت.. وليفرح بالعام الجديد من حمد ما مضى من أيامه، وسالف أعوامه".
الجريدة الرسمية