محمد التابعى يكتب: نوفمبر..شهر الاحزان
في مجلة آخر ساعة يوم 29 نوفمبر 1968 كتب الكاتب الصحفى محمد التابعى مقالا تحت عنوان (شهر الأحزان) قال فيه:
فصل الخريف هو الفصل الحزين، وشهر نوفمبر بالنسبة لى شهر الأحزان، فقد سقط فيه زملاء وأصدقاء كثيرون، وسبقونى إلى القبر مع أنهم كانوا أحق منى بالحياة.. ولكنها مشيئة الله.
ولم أكن أدرى وأنا أكتب هذه العبارة أن زميلا وصديقا عزيزا، هو أحمد لطفى حسونة سوف يختاره الله إلي جواره، ويسبقنى إلى القبر مع من سبقونى من الأصدقاء والزملاء لكنها مشيئة الله.
والخريف بين فصول السنة الأربعة هو الفصل الحزين الذي تعصف فيه الرياح، وتتساقط الأوراق الميتة والذابلة من الأشجار.
في أوائل نوفمبر عام 1945 توفيت والدتى رحمها الله، وفى نفس الشهر عام 1965 توفيت شقيقتان لى، وكان بين وفاة إحداهما والأخرى أسبوعان.
وفى يوم 30 نوفمبر 1965 توفى صديق عزيز، هو المرحوم كامل الشناوى الشاعر والأديب، وفى مساء 14 نوفمبر 1968 توفى أحمد لطفى حسونة.. ولم يكن هؤلاء الأعزاء الذين سقطوا واحدا بعد الآخر أوراقا ميتة ذابلة صفراء، لكنها كانت مشيئة الله.
وأعود بالذاكرة إلى عام 1926، وكنت يومئذ أحرر في مجلة روز اليوسف، وكانت تطبع في مطبعة الشباب لصاحبها عبد العزيز الصدر، وكان المرحوم أحمد فؤاد يطبع مجلته "الصاعقة" في نفس المطبعة، وكان قد جاوز الخمسين من عمره، وذات يوم لاحظ أنى مجهد باهت اللون فقال لى: يابنى حاسب على نفسك، الصحافة بتقصف العمر، والعاقل هو الذي يعمل فيها 15 سنة ثم يعتزل، وأما الذي يستطيع أن يعمل في الصحافة 25 سنة فإنه يكون محظوظا، وأنا أعمل منذ عام 1925 أي إنه مضى على الآن 43 عاما في دنيا الصحافة، وأشعر أن حظى قد نضب معينه، وحان الوقت لكى ألحق بمن سبقونى من الزملاء والأصدقاء، اللهم إلا إذا كانت مشيئة الله أن أحيا وأعيش تحت أثقال وأكداس من الهموم، لعل أخفها الأمراض.
