مصطفى أمين يكتب: الحلم الكبير
في مثل هذا اليوم، منذ ثلاثة وسبعين عاما ولدت صحيفة أخبار اليوم على يد التوأمين مصطفى وعلى أمين، لتصبح من أكبر وأشهر الدور الصحفية في مصر.
صدرت الصحيفة وفى صفحتها الأولى تحت عنوان "حكمة اليوم" كلمات لفولتير تقول (إنى خصمك في الرأى لكنى لا أتردد في أن أبذل آخر نسمة في حياتى وآخر قطرة من دمى دفاعا عن حقك في إبداء الرأى).
وفى مجلة الجيل، نوفمبر عام 1955، كتب مصطفى أمين مقالا يحكى فيه قصة إنشاء دار أخبار اليوم، فكتب يقول تحت عنوان "قصة حب":
إنها حلم كبير وقصة حب، فيها لقاء وفراق وعشق وشوق وفرحة ولوعة، وقرب وهجر، بدأنا بشقة فوق السطوح بشارع قصر النيل، وكانت أزمة المساكن خانقة وكنا ندخل الشقة بسلم حديدي كسلم المطبخ.
الشقة كانت من 14 غرفة لأننا لم نجد شقة من غرفتين فقط فأغلقنا 12 غرفة وفتحنا غرفتين، وكان عددنا 8 محررين فقط هو الرسام رخا، محمد على غريب، حسين فريد، توفيق بحرى، عبد الصبور قابيل، رمسيس نصيف وعلى أمين وأنا، وكان مجموع مرتبات المحررين 100 جنيه في الشهر، وكل أحلامنا إصدار جريدة كبيرة، وكان الناس يضحكون حولنا ساخرين، وبعضهم يشفق علينا والبعض يرثى لنا.
كنا نحلم وعيوننا مغلقة، ولو فتحنا عيوننا ما أصدرنا أخبار اليوم أبدا، كانت أمامنا مصاعب وأهوال ومتاعب عملاقة، لم نرها لأننا كنا أقزاما يملؤهم الأمل والحلم.
كل الخبراء توقعوا لنا الفشل والسقوط، وكنا وحدنا الجهلاء ولم يكن معنا إلا إيماننا بالله وعرقنا وتفاؤلنا.
لم ننس دعم طلعت حرب لنا، فحين حكيت له أننى أفكر مع أخى في إصدار مؤسسة صحفية قال لى على الفور اذهب إلى بنك مصر واحصل على خطاب ضمان بمبلغ 300 جنيه.
كان حجم الجريدة الذي اخترناه حجما غير مألوف، طريقة تحريرها جديدة حتى إن الرسام رخا لما رأى العدد الأول الذي طبعنا منه 126 ألف نسخة أغمى عليه، وراح يضرب كفا على كف يبكى الجريدة التي ستموت يوم مولدها.
كنا لا نملك مطبعة، وكنا نحرر المادة الصحفية في شارع قصر النيل ونجمع الحروف في مطبعة جريدة "المصري" بشارع ضريح سعد، وتكبس الصفحات في إدارة الأهرام بشارع مظلوم، وأخيرا تطبع الجريدة في مطبعة الأهرام على الكورنيش.
وكنا نحمل صفحات العدد من مطبعة المصري، أنا من ناحية وعلى أمين من ناحية أخرى والمحررون من ناحية ثالثة، ونسير على أقدامنا إلى مطبعة الأهرام.. فقد كنا لا نملك عربات أو سعاة تحمل الصفحات.. لكن كنا نجد لذة في هذا الشقاء الذي نؤديه بكل المتعة والحب.
هذا النجاح الذي تحقق لم نصنعه وحدنا، بل صنعه معنا فيما بعد مئات من المحررين والعمال والموظفين وملايين من القراء الذين استطعنا بفضل الله وفضلهم تحويل الحلم الكبير إلى حقيقة.

