نجيب محفوظ يشرح التربية الدينية الصحيحة
في جريدة الأهرام عام 1988 كتب نجيب محفوظ مقالا يشرح التربية الدينية الصحيحة لأبنائنا وشبابنا يقول فيه:
نريد من التربية الدينية أن تجسد الدين روحا ومبادئ في الفرد، طبيعى أن نبدأ بتلقين الطفل أركان دينه وتعليمه كيف يؤديها، وعلينا بعد ذلك أن نثبت في وجدانه المبادئ التي ميزت الرسالة ومكنت المؤمنين من أن يقيموا للدين دارا، وأن يعمروا الدار بالحضارة والثقافة والعلم، ومن ذلك مبدأ الشورى في الحكم وتقديس الإنسان والحرية والمساواة بين البشر بدون اعتبار لعنصر أو لون أو جنس والتسامح الدينى وخلافة الإنسان لله في الملكية والتفكير كفريضة والعلم كفريضة والعمل كقيمة مفضلة حتى على العبادة والتضامن البشري في المجتمع.
هذه المبادئ توجب أن يتكون منها وجدان الناشئ عاما بعد عام مؤيدة بالآيات والأحاديث والوقائع التاريخية ويجب أن يجرى الامتحان فيها لا على الورق فحسب لكن من خلال ملاحظته السلوك العام في المدرسة.
كما ينعكس في علاقة التلميذ بالتلميذ والتلميذ بالمدرسة، والتلميذ وواجباته والعلوم التي يتلقاها، نريد من التربية أن تجسد الدين في التلميذ قولا وفعلا وسلوكا ورؤية وعلاقات إنسانية تسودها الود والتسامح.
نريد منها أن نخلق لنا جيلا من المنتمين حقا وصدقا إلى الواجب والعمل والعلم والتفكير وحقوق الإنسان وحقوق المجتمع.. لا يجوز في أمة متدينة أن تعرف سلبيات مثل الكسل والتهاون والتسيب والظلم والرشوة والاستغلال والامتيازات والمحسوبية.. فإن وجدت فإنما يعنى هذا أنها لا تعرف دينها.. فإن كانت تعرفه فإنما يعنى أنها تعرفه ولا تؤمن به، وإن كانت تؤمن به فإنما يعنى أن إيمانها ينقصه التطبيق، وأنها تتهاون في تعليمه لأبنائها.
ليست التربية الدينية حفظا وتسميعا وإعرابا ولكنها محاولة صادقة لإعادة خلق الفرد على اسس سامية يصلح بها لمواجهة تحديات عصره، وتحفظ له التوازن النفسى والعقلى والخلقى بين ما ينبغى في دنياه وما يتطلع إليه في آخرته، من المسلم به أن التربية الدينية يجب أن يشمل ذلك كله ولكن يجب أيضًا أن نضيف إليها بوعي وتركيز أغراضًا جديدة تعد من ناحية من صميم روح العصر، كما أنها مستمدة من مضمون الدين بلا تكلف من ناحية أخرى.
من ذلك أن نربي النشء على حب العلم والمعرفة وتبجيل العلم والعلماء، وسنجد لتأييد ذلك ما نشاء من سند في القرآن الكريم والحديث الشريف وأن نوجههم إلى تقديس العمل والإخلاص فيه لخير الفرد والجماعة وسوف يمدنا الدين بما نشاء من آيات كريمة وأحاديث.
كما ندربهم على الحوار والتزام العقل منطلقين من الشورى ومواقف مشهودة في تاريخ الرسول الكريم والخلفاء الراشدين والصحابة، وأن نملأ قلوبهم بحب العدالة الاجتماعية وحكمة الزكاة في التضامن الاجتماعى ولنجعل من ذلك كله أساسا متينا للوحدة الوطنية والأخوة البشرية.

