نجيب محفوظ يتنبأ بتوزيع الأراضي على الفلاحين
في مجلة نصف الدنيا عام 2006 ومن خلال عرض السيرة الذاتية لأديب نوبل نجيب محفوظ قال فيها:
في الثلاثينيات كنت أبحث عن الكتب التي تتناول تاريخ مصر، ثم أعددت بالفعل أربعين موضوعا لروايات تاريخية رجوت أن يمتد بى العمر حتى أتمها وكتبت ثلاثا منها بالفعل هي (عبث الأقدار ــ كفاح طيبة ــ رادوبيس )، وبقى 37 منها جاهزا للكتابة، فكنت متيقنًا أنه يمكن معالجة الحاضر من خلال الماضى.
إخناتون الهمنى الكتابة عنه وعن الحاضر في وقت واحد، فأنا حين كتبت عن الماضى البعيد جدا الذي هو الأدب الشعبى الفرعونى كانت عينى على مصر الحديثة، وهذا هو المستقبل ولذلك تجد رواية تصور الحاكم المثالى في "عبث الأقدار" وأخرى تمثل ثورة شعب على فرعون في "رادوبيس"، وفى "كفاح طيبة" تحرير مصر من الهكسوس..
وكل هذه المعانى كانت للحاضر والمستقبل ولو أنها في صيغة الماضي بل إن خوفى من المستقبل وتشوقى له كان واضحا كل الوضوح في "ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار" و"رحلة ابن فطومة" البطل يحلم بالمستقبل البعيد فليس صحيحًا أننى أنتمى إلى الماضى أنا بتاع الحاضر والمستقبل.
الغريب أنه بعد كتابتى "كفاح طيبة" أصيبت بحالة نفسية لا أدرى لها سببا حتى الآن، وجدت نفسى غير راغب على الإطلاق في كتابة أي عمل روائى جديد عن الفراعنة، قل ماشئت.. هل هو نوع من التشبع العاطفى والذهنى بتاريخ هذا العصر بحيث لم أعد قادرا على المضى فيه إلى ابعد مما مضيت، أو سمها لعنة الفراعنة حلت بى ككاتب مصرى تجرأ على تراث هؤلاء الأجداد العظام.. المهم أننى توقفت نهائيا وإلى الأبد رغم وجود المادة الخام بين يدى لعشرات الروايات عن تاريخ هذا العصر..
انتقلت بعد ذلك فجأة إلى التفكير في "القاهرة الجديدة"، وإذا حاولت تفسير سبب هروبى من الموضوعات التاريخية فإننى أقول إننى وجدت أن التاريخ قد أصبح عاجزا عن أن يمكننى من أن أقول ما أقوله، كنت قد قلت عبره جوهر الموضوعات التي أردت أن أقولها ويبدو أننى بعد ذلك كنت سأدخل في عصر الإمبراطوريات بينما كنا نعيش في الواقع في عصر المهانة، ظهرت نزعة الإصلاح الاجتماعى في رواية طيبة حيث قلت إن أحمس وزع الأراضي على الفلاحين فحققت بذلك نوعا من المزج بين مدينتى الفضلى والتاريخ، فالتارخ لم يقل لنا أن أحمس وزع الأراضي على الفلاحين لكن مدينتى الفاضلة التي كنت أحلم بها كانت تنهض على فكرة كون الأرض ملكية عامة يزرعها الفلاحون ويعطون الدولة قدرا من غلتها.
فقد حاولت أن أمزج بين مدينتى الفضلى والتاريخ عندما كتبت هذا الموقف غير الثابت تاريخيا.. وبعد كفاح طيبة أخذت نزعة الإصلاح الاجتماعى تتغلب.
التاريخ "بنك" اتجه إليه بحثا عن موضوع حين أفلس أنا من موضوعات الواقع، وأنا مشغول من زمان بعيد بما عشته في الواقع وبما أعيشه فالأدب ينبع من الداخل أساسًا من الذاكرة.
