إيما خليل تكتب: قابيل وهابيل في ملحمة السراب
(في الشارع الخامس) :
صمت يقرع حولنا.. صدى بارح وضوء سارح.. خطي ودقات قلب تدنو وتنأى مع كسل الفجر على قنديل منزلنا الوحيد..
بفرضية بيضاء وضمير الرضيع..
وقلب يحك النجوم وحيرة الموت..
كنا دومًا نلتقي أنا وأخي داخل هوية كهربائية في الشارع الخامس المجاور..
نفعل كما يفعل الغرباء إذا اجتمعوا في المساء الحزين يسمعون للشاعر الرعوي...
ونسير إلى غدنا واثقين بصدق الندي ومعجزة الحب..
قانعين أن بوسعنا أن نغير حتمية الهوية..
قبل عشرين عامًا..
فقد كان الزمان أقل جنونًا من الآن..
وكان دوما هو نفسي الغريبة في الظل..
(ملحمة السراب) :
يمر الوقت بنا كالهواء.. خائفين معًا.. لا نتبادل حديثًا..
شريكان الآن نحن في الانتظار إلى ما تبقى لنا من حياة أو موت.. شريكان في كل الاحتمالات..
ننتظر الحظ فقد يمد لنا منقذ طوق نجاة..
أو ربما أفعى هنا أطلت وفحَت لتبتلع الخائفين سويًا أو على حدة..
هل سنشترك في قتل الأفعى لننجو معًا.. أو على حدة فهي غريزة تدافع وحدها..
ومن سيختار حبل النجاة أولًا إذا أتي..
وجمعنا فقه الظنون في عبث مشترك.. بعد أن سقطنا أنا وأخي من الجو في حفرة..
وربما سقط قلبنا أيضًا في شرك العنكبوت..
أنظر إلى أخي.. أضحك محاولًا كسر الصمت والملل بيننا..
وأتحدث إليه بعد أن تملكتني أنانية المتفائل دون التساؤل عما يظن هو..
(أنا) : ما العمل؟
لم يصل الحبل بعد.. ولا الأفعى فحَت بعد..
(أخي) : أتعلم أن حبل النجاة يكفي واحدًا..
(أنا): نعم هو حبل نجاة واحدًا كعمد السيف لا يتسع إلى اثنين..
وأيضًا دنيا واحدة وقبر واحد وحفرة واحدة يموت فيها أخان قد يكونان يومًا قاتلا وقتيلا..
(أخي) : لا أعلم.. لا أعلم سوى أن ما سيحدث لي هو لي وحدي..
وما سيحدث لك هو لي ولك..
(أنا) : تفاوضني الآن حتى بعد أن هرب الوقت منا وشذ المصير عن القاعدة....
وبعد أن كنت تقتسم معي الضوء في قوة الظل.. تفاوضني على حصتي وحصتك من القبر..
(أخي): ألا تتذكر أني دفنتك يومًا في حفرة مثل هذه..
فمنذ زمن وأبي لا يحبك ومنذ سنوات وأمي لم تعد تنتظرك في صباح الزيارات..
فصورتك دومًا لم تجد حولها أحدًا..
(أنا) : كدت أنسى يا أخي فالغد شدني من يدي ومضى بي هشًا متعبًا..
فقد عشت دائمًا في سفر قليل الموت.. لا أريد شيئًا..
(أخي): إذًا ربما على أحدنا أن يموت كي يولد الآخر...
(أنا): القبر دومًا كان لي.. وقد تكون الآن هي فرصتي لأموت عزيزًا..
فقد ترفعت دومًا عن نجمة كي لا أصيبك بأي أذى..
يا أخي.. إن كان لا بد من موت فاقتل وإن كانت هناك نجاة فلَك القدر كله..
فاعتق هذا الجسد البغيض من سجنه المتسلط..
وليأخد الموت البطيء راحة من اللهاث وراءنا..
فلن ينام اليوم معك جسد طاهر في فراش آثم..
ودعني أنا أبحث في جماجم أجدادي الطيبين..
فالإله طيبًا لا يقبل إلا طيبًا..
أما الخائنون فدائمًا ما يقتلون أنفسهم..
(رسائل من داخل القبر):
أتساءل عمَا يقول القلم في زمن الكارثة..
في عالم لا سماء له تصبح الرواية إحدى هبات العزاء..
تُكتَب بدم متسلل لا أرض ولا تراب يجففه ولا صَلَوات..
وطبول يطفو على جلدها صوت الغياب..
وحياة لا تعرف إلا بالضد..
فلا عدل في صفحات كتاب مقدس يكفي كي نسير بحرية فوق الغمام..
فقط.. هو الصراخ الذي لا يبدأ إلا في لحظات الوداع..
خرج مني أخي كما خرج شبحي الأسود من نفسي يحمل لأمي سلام الندي..
وكسر حاجز الوقت.. فقد كان دومًا على القدر وثابًا..
وإن كانت أسماؤنا يومًا شجرًا من كلام الإله.. فقد قطع الجذور وأوقد فيها لهبًا..
بعد أن سحب ظلي معه إلى الشارع.. كشيخ الدم يهبط من عليائه..
وأخذ من الليل ما أراد وترك لي نجمتين لندفن أجسادنا..
وأخذ وِردًا من حلمي ونام على ظل ضفافي. شوكًا شوكًا..
لك أن تعلم يا أخي..
سيخطفك البريق وينتهي يومًا.. وستنقصك هدنة من شبحي وشمسًا أقل اشتعالًا..
وسترجو بعد الحسرة ساعة للتأمل لأي شئ..
وساعة للتردد بين درب ودرب..
وتحلم بأن نلتقي.. ولكن هذه المرة قد نلتقي في جريمة أقل احتفالًا..
فيها أنت دومًا زينة للخراب..
أما أنا..
أنا من نطفة جذورها عاشت دومًا في الشقاء..
كالشمس في المغيب لا تأخذ ما وهبته يومًا للرمال والمعجزات..
أنا دومًا من ذوات التضحيات الحمقاء السوداء..
أنا دوما الغريب كصالح في ثمود..
يا أخي..
ولدنا من ماء ونار كي نقترب من القيامة أكثر..
وهذ هي الخطيئة التي تستوجب كل هذا المد من اللعنات..
وسنظل نقتسم الرواية معًا في ملحمة أخرى..
ملحمة للسراب.. فيها قابيل وهابيل هذا الزمان صراعهما عالموت وليس على حياة..
فوداعًا وداعًا لأخي الألم..
((صلاة المضطر)):
إلهي فرغ الحنين والدموع ورق القلب وجمدت العينان.. وتناثر الدود من ركبتي...
من صوت تنهَد وقد لصَق عظمي بلحمي..
ومن وجه صار مثل بومة المحراب الخرب..
نُحلت وصرت كعصفور منفرد..
وفُنيت أيامي في دخان.. وعظامي مثل وقيد يَبسَت..وقلبي ملفوح كالعشب..
أكلت الرماد من الخبز.. ومزجت شرابي بدموعي بعد أن حملتني وطرحتني..
ومتي تأتي إليً؟
(يا لابس النُور كثَوْب.. يا جَاعِل أجنحًة الرِيح والسحاب مركِبَتَك..
يا باسِط السًموَات كَشِقًة.. وصَانِع مَلائٍكتًك ريًاحًا.. وخُدَامك نارًَا مُلتَهِبَة..
يا سًاكِن الدًهْر والأَبَد.. يا صَاحِب الإصْغَاء والنَعْي)..
أسأَلَك...
لو الأرض خربة وعلي السماء ظلمة لأكون أنوارًا في السماء تفصل بين الليل والنهار..
وآيات لأوقات وسنين وعهود..
وقربان سرور للرب ووهب من ورد مقدس..
ومن كثرة كربي وغيظي اجعل لي نعمة في عينيك..
وأن تستدرج من كذبوا آياتك لحيث لا يعلمون إن كيدك لمتين..
أنا الغريق لتجعلني جلدًا فوق الريح وليجتمع الماء وتظهر اليابسة..
ولا تحجب وجهك عني في يوم ضيقي وخذني في طريق كمال يسلكه كمال قلبي..
وإذا لم ينصفني القدر وصار زمني ظل مائل وإن كان من دمي الغدر..
فأنت إلى الدهر جالس..ويدك وذكرك له دور فدور..
وارسل روحك فتخلق.. ومِس القبر فيدخن..
والآن ثابت القلب وبشفتي الابتهاج.. أغني وأرنم فيروق لصاحب المجد نشيدي..
فقد خلدت ذكراي فوق البرية..
مبارك النفس بالرب وكل ما في باطني يبارك رب الدهر باسمه القدوس..
فاستيقظي أيها الرباب والعود معي سحرًا..
فقد وهبنا العون في الضيق نصنع به بأسًا وهو يدوس أعدائنا..
فباطل هو خلاص الإنسان..
فوداعًا وداعًا لأخي الألم.. فباطل هو خلاص الإنسان..
