عباس محمود العقاد يكتب: العنب الدليشي
في مجلة الهلال عام 1939 كتب الأديب عباس محمود العقاد مقالًا قال فيه:
هل سمعت أيها القارئ بالعنب الدليشي يباع في الطريق؟ لا أظنك سمعت به لأنه لم يوجد ولم أسمع أحدًا ينادي عليه قبل هذا النداء الذي سمعته اليوم.
وأحسب أن بائع العنب الدليشي كان يبيع التفاح الدليشي، ثم تحول عنه إلى بيع العنب فأعطاه هذه المزية التي كانت صالحة عنده لترويج التفاح وغيره.. ولو تحول منه إلى بيع القماش أو الصيني أو الخردوات، أترانا نضحك من تفنن هذا البائع اللبيب؟.
نعم ولكن بشرط يسير وهو شرط السيد المسيح حين قال لجمهرة المنافقين المطالبين بعقاب المرأة الخاطئة: "من لم يخطئ منكم فليرمها بحجر"، فلنضحك نحن إذن من ذلك البائع أن كنا لم نخطئ مثل خطئه؛ ولكننا جميعًا نخطئ ذلك الخطأ في أشيع الكلمات.. فمن منا لايقول قرص الأسطوانة ويعني قرص الجراموفون، ومن منا لايقول "الحرامي القراري" وهو يعني الحرامي البارع في السرقة.
أما الصواب في هذه الكلمة فقد عرفه أجدادنا قبل بضعة قرون حين قسموا الفلاحين إلى فلاح قراري وفلاح فراري.. وقصدوا بالفلاح الفراري المتشرد الذي يدور بين القرى ليبحث عن العمل في مواسم الزراعة ثم يفارق مكانه ولا يستقر على قرار، أما كلمة القراري فهي صفة الفلاح العامل الأصيل العارف بمهنته المثابر عليها في موطنه وموطن أجداده.
أن صاحبنا بائع العنب الدليشي ليستطيع أن يمضي في طريقه دون أن يصيبه حجر واحد لأن الأرض لا تحتوي من الحجارة الملقاة عليها حجرًا واحدًا يرميه به من لم يخطئ مثل خطئه في كلمات تعد بالعشرات بل بالمئات.
