أحمد أمين يكتب: التعصب غيرة عمياء
في مجلة "الهلال" الشهرية مارس 1949 كتب المفكر والأديب والمؤرخ أحمد أمين مقالا عن التعصب قال فيه:
إن شر ما انبلينا به اليوم هو التعصب، إنه كلمة مصطنعة أطلقها الإفرنج علينا ظلما وعدوانا ليصرفونا عن التمسك بديننا وقوميتنا.
لكن الاخطر من ذلك هو التعصب الداخلى فيما بيننا من خلال الجمعيات الدينية والأحزاب، فكل جمعية دينية ترى نفسها هي على حق وماعداها هو الباطل، وقد ترميه بالكفر والإلحاد.وهذا هو التعصب الذي أعنيه وأكرهه وأمقته، وادعى أنه كارثة من أكبر كوارثنا.
والتعصب أعنى به الغيرة العمياء التي لاتصدر عن تفكير هادئ، ولا منطق سليم، وإنما تصدر عن تقليد من غير تفكير أو عقيدة، وهذا مرض نفسى له أعراض ككل الأمراض، واهم هذه الأعراض ثلاثة مجتمعة لا متفرقة.
أولها ضيق النظر، فلا يرى المتعصب إلا ما اعتقده أو القى في روعه أما ماعداه فهو يكرهه من غير تفكير، ويمقته من غير أن يصغى إلى حجمه. فمهما قال مخالفه فهو باطل، ومهما قال مؤيده فهو على حق ولو لم يأت ببرهان، وقد عكس الوضع الطبيعى ووضع العربة أمام الحصان، فهو يرى الرأى أولا ثم يتلمس البراهين، وقد يغلو في رأيه حتى يصبح أشبه مايكون بالمجنون.
ثانى الأعراض حب القوى الغلبة لفكرته وعقيدته وهزيمة الآراء المعارضة، فهو ليس عنده أي شيء من التسامح مع من يخالفه.
وثالث الأعراض أن هذه الغيرة العمياء، وتجعل صاحبها لا يقدر ما ينزل بالآخرين من آلام، وما يحل بهم من كوارث، فهو قاس تصب رغبته في تحقيق الفكرة على كل ما لديه من عواطف.
هذا هو الجانب الأسود من التعصب، ولكن له جانب آخر جميل.. فكثيرا من ضروب الإصلاح أتت على يد متعصبين اعتنقوا فكرة، وتعصبوا وتحمسوا لها وتحملوا العذاب في تحقيقها، فهو ليس شرا محض، وكل ما فى الحياة ماديا كان أو معنويا مزيجا من الشر والخير.
والتعصب الأعمى هو شر ما منيت به الإنسانية يسير سيرا وبائيا كالطاعون، فينتشر المرض بسرعة عجيبة خاصة في الجماعات التي ليس لها رأى عام، فيثور ويزيد في انتشاره إذا كان لصاحبه شعائر تتفق مع عقلية العامة من الشعوب الساذجة، خاصة لو كانت صادرة من جمعيات دينية أو أحزاب.
