رئيس التحرير
عصام كامل

محمود السعدنى يكتب: عساكر هذا الرجل

18 حجم الخط

في 26 يناير عام 1967 كتب محمود السعدنى، في مجلة صباح الخير، مقالا قال فيه:

ما أغرب تلك الأيام.. عساكر البوليس والطلبة والعمال ولصوص المعسكرات في جانب، والطبقة الحاكمة والأثرياء ورجال السياسة في جانب.


في الشارع عساكر البوليس يطلقون النار على عساكر الإنجليز، والعساكر الإنجليز يطلقون النار على الناس وفى المكاتب.


السفير البريطانى يجتمع بمعالى وزير الخارجية وسعادة المحافظ يجتمع بالقائد البريطانى وضابط الاتصال يسهر مع ضابط الاتصال الإنجليزي، وفى صباح آخر أيام عام 1951 سقط 140 قتيلا في السويس وفى مساء نفس اليوم كان سعادة محافظ السويس في مكتب القائد البريطانى يطلب منه الإذن بالمرور في الطريق الصحراوى.


لقد رأيت بعين رأسى عسكري البوليس المصرى الشهيد الذي لا أعرف اسمه، والذي أطلق النار على قائد الدبابات البريطانى فأرداه قتيلا، وذهب الإنجليز ثم عادوا بدباباتهم ومصفحاتهم ومدافعهم وقتلوا من حى الأربعين 140 شخصا وعبروا ترعة الجناين وأطلقوا النار على عسكري البوليس الذي قتل القائد.

أطلقوا النار عليه من بعد نصف ياردة واندبت الرصاصة بين حاجبيه، فلما مات أطلقوا عليه مدافعهم الرشاشة فمزقوه، وتم دفنه بعد ذلك في موكب فخيم لكن العسكري الشهيد لم يكن بالنعش، فقد تناثرت أجزاؤه في الترعة وذهبت مع التيار إلى بعيد.


شهدت ذلك بعينى يوم الإسماعيلية وكان يوما صعبا.. لقد كان بودى أن أتذكر اسم قائد المعركة، ولا أذكر هل اسمه اللواء عبد الرؤوف أم اللواء رائف، ولا أعرف هل هو على قيد الحياة أم مات إلى رحمة الله.


المهم أنه كان رجلا.. وأنه حارب إلى آخر دقيقة وخرج إلى الأسر مرفوع الرأس يوم 25 يناير 1951 مع جميع ضباطه..خرج العساكر إلى الأسر في موكب حزين بعد أن جردوهم من سلاحهم وملابسهم وأحذيتهم وأخذوهم سيرا على الأقدام إلى المعسكر. كانوا 70 جنديا من بلوكات النظام، وفى المستشفى مات أغلب الجرحى.

بعد ذلك بشهور قليلة هبت مصر كلها بقيادة جمال عبد الناصر والضباط الأحرار، وثارت لكل شهداء معركة الشرطة.

ولكل المصريين تعظيم سلام لعساكر البوليس في يوم عيدهم، ودمعة على قبر الذين ماتوا، وباقة ورد للذين عاشوا ليشهدوا يوم الثأر والنصر العظيم.
الجريدة الرسمية