رئيس التحرير
عصام كامل

«التار ولا العار».. النزاع على الأراضي ومشكلات الجوار أبرز أسباب الخصومات الثأرية بالصعيد.. والفقر وغياب الوازع الديني وانتشار السلاح وراء تفاقم الظاهرة

18 حجم الخط

تعتبر الخصومات الثأرية واحدة من أشهر العادات السيئة الموروثة بجميع محافظات الصعيد، فيتوارثها الأبناء عن الأجداد دون النظر إلى ما تؤول إليه من حصد للأرواح أو ما ينتهي إليه حال الأسر المكلومة من جراء تلك العادات.


ورغم الدعوات بالمساجد وإجراء العديد من جلسات المصالحات إلا أن بحور الدم أصبحت لا تتوقف ولا تنتهي، على الرغم من كونها تبدأ عادة من صغائر الأمور الحياتية أو المشادات الكلامية وتنتهي على الأقل بقتيل أو أكثر، ويبدأ بعدها سلسال من الدم يتسلمه الأبناء من الأجداد ويتوارثه الأحفاد تتوارثه جيلًا بعد جيل.

ففي محافظة أسيوط وتحديدًا بالمراكز الأكثر سخونة واشتعالًا بسبب الخصومات الثأرية وهى البداري ومنفلوط وأبنوب، تجد أن تلك المراكز دائمة الاشتعال مما جعلها الأكثر ترويجًا واقتناء للسلاح على الرغم من كونها المراكز الأكثر فقرًا بالمحافظة إن لم تكن بالجمهورية.

فمؤخرًا ومنذ سنوات شهد مركز البداري أبشع خصومة ثأرية بين عائلتي الشعايبة والعواشير، والتي راح ضحيتها العشرات من العائلتين واستمرت حتى الوقت الحالي.

وترجع وقائع الخصومة إلى  4 أعوام بسبب خلاف على  شراء رغيف "عيش" من أحد الأفران البلدي بالمركز وتطورت الخلافات إلى مشادة كلامية بين طرفي العائلتين ثم تحولت على إثرها إلى خلافات انتهت بالقتل.

‎وفي مركز منفلوط تعتبر الخصومات الثأرية بين  عائلتي حفناوي وحمد وعائلتي حسانين والدردير من أكثر الخصومات الثأرية اشتعالًا والتي راح ضحيتها العشرات من العائلتين.

وتعود الخصومة الثأرية بين عائلتي حفناوي وحمد إلى وقوع مشاجرة بسبب الخلاف على لهو اﻷطفال، قتل فيها 2 من أفراد عائلة «حفناوي»، تم أخذ ثأرهما بقتل الحاج عبد المنعم حمد، كبير عائلة «حمد»، فأقسم أفراد عائلته على قتل 7 من بيت حفناوي مكانه، انتهت بقتلهم واثنين آخرين مارين صدفة بالمكان.

وتعد الحالات السابقة التي تم ذكرها للثأر هى فقط مجرد عنونة لنماذج الخصومات الثأرية، ورغم أن الخصومات الثأرية تعتبر من الموضوعات التي كثر فيها البحث إلا أن "فيتو" أوجزت أسباب اشتعال فتنة الثأر وتوارث الخصومات الثأرية في نقاط طبقًا لآراء خبراء الاجتماع وأعضاء لجان المصالحات بمحافظة أسيوط.

المرأة
وتأتي المرأة في المقام الأول لأسباب فتنة الثأر وتوراث الخصومة، بل إنها أحيانًا تعتبر السبب الوحيد لميراث تلك العادة، حيث تقول الدكتورة أسماء عبد الرحمن مدرس بكلية الآداب بجامعة أسيوط، عضو المجلس القومي للمرأة، إن المرأة الصعيدية تقدس عاداتها ومعتقداتها دون النظر إلى ما هو إيجابي أو سلبي وتعد هى فتيلة النار الذي سيشعل ظاهرة الثأر.

وبل تشعل المرأة كل ما حولها وتعمل جاهدة على عدم إخماد هذه النيران حتى تتطفئ نارها الداخلية المشتعلة في الأخذ بالثأر، ويزداد لهيب هذه النيران وفقًا لدرجة قرابة هذا المقتول إن كان إبنًا أو زوجًا أو أخًا وتظل القيمة المعنوية والنفسية للثأر من وجهة نظرها والتي تعكسها مقولة " الثأر ولا العار " هى شريعة ومنهاجًا حتى يتم تنفيذه على أرض الواقع مهما طالت المدة الزمنية للوصول إلى ذلك الهدف. 

النزاع على الأراضي الزراعية
وقال الشيخ "محمد العجمي" وكيل وزارة الأوقاف، رئيس لجنة المصالحات وإنهاء الخصومات الثأرية بمحافظة أسيوط ، إن معظم الخلافات التي تنجم عنها خصومات ثأرية تكون نتيجة للنزاع على الأراضي الزراعية، سواء كان تقسيم الأراضي ووضع حدود أو أسبقية الري وتتفاقم تلك المشكلات لعدم وجود الخطوة الاستباقية لتهدئة الموقف.  

مشكلات الجوار
وأضاف العجمي، أن مشكلات الجوار تأتي في المرتبة الثانية بعد مشكلات النزاع على الأراضي الزراعية، فيما تقل مشكلات الخصومات الثأرية التي تكون بسبب الشرف نظرًا لتقاليد المجتمع الصعيدي، والذي يفضل حجب تلك الخلافات أو استبدالها بأخرى.

وأشار العجمي إلى أن مديرية الأوقاف بالتعاون مع لجنة المصالحات، تقوم بوضع خطط ممنهجة وثابتة في محاولة للقضاء على ظاهرة الثأر من خلال توفير قوافل دعوية للمواطنين، وتوحيد خطبة الجمعة التي تحث على توعية المسلمين بأهمية الجوار، وحق الجار، وحرمة سفك الدماء، وحرمة النفس البشرية، وحرمة الاعتداء على أموال الغير وعرض الغير، وتقنين الأمور التي من شأنها أن تفسد العلاقات بين المجتمع فتؤدي إلى البغضاء والضغينة.

وأوضح العجمي، أنه لا يمكن تصنيف الميراث ضمن الأسباب التي تؤدي إلى اشتعال فتنة الثأر، لأن تقسيم الميراث دائمًا يكون بين أفراد العائلة الواحدة فيما تشتعل الخصومات الثأرية بين عائلتين أو أكثر.

الجهل والفقر
وقال اللواء "أسامة جعيدي" وكيل لجنة المصالحات بمحافظة أسيوط، إن الجهل والفقر يحتلان مكانة كبيرة حيث يترتب على الجهل الفقر ويترتب على الفقر السكن بالعشوائيات ومن العشوائيات يخرج ويفرز كل شيء.

 غياب الوازع الديني
وأضاف "جعيدي" أن غياب الوازع الديني يمثل حلقة كبيرة مفقودة في البحث عن أسباب توارث الأجيال للخصومات الثأرية، لأن الجهل بأحكام الدين سواء كان مسلمًا أو قبطيًا يتسبب في توارث مشكلات عديدة ولا ينته الأمر عند القتل لمرة واحدة  فقط بل تمتد بحور الدم لأجيال.  

المعاكسات ومحاولات التحرش الجنسي
وأشار جعيدي، إلى أنه على الرغم من أن المجتمع الصعيدي مغلق على ذاته ولا يبيح الثرثرة في الأمور المتعلقة بالمعاكسات والتحرش الجنسي إلا أن هذا السبب يعد من الأسباب المعروفة لاشتعال الثأر بالصعيد، ولكنه يبقى سببًا خفيًا في بعض الخصومات الثأرية طبقًا لعادات وتقاليد المجتمع الصعيدي.

نزعة العصبية القبلية
وأوضح أن نزعة العصبية القبلية  واحدة من الأسباب العامة التي تشعل نيران الثأر، خاصة أن كل عائلة ترى نفسها دائمًا الأفضل وليس لها منازع أو منافس، وهناك من يتعصب لعائلته بعنجهية رغم الجهل والفقر وتلك النظرة الدونية للغير تكون كالنيران التي تأتي من مستصغر الشرر.

السلاح
وقال الدكتور "أحمد البريري" عميد كلية الخدمة الاجتماعية بأسيوط، " كيف يمكن المجتمع أن يواجه مشكلة الثأر في ظل انتشار كل كمية هذه الأسلحة، فالسلاح بالصعيد أصبح في أيدي الأطفال والنساء قبل الرجال، وكل من يتحدث لأتفه الأسباب أو حتى من خلال التعاملات اليومية ينتهي الأمر باستخدام السلاح رغم الفقر والظروف العصيبة التي يعيشها ذلك المجتمع".
الجريدة الرسمية