رئيس التحرير
عصام كامل

صلاح حافظ يكتب: أكثر من حكومة

18 حجم الخط

في مجلة روز اليوسف عام 1986 كتب صلاح حافظ مقالا قال فيه:

أذاعت الحكومة في طول البلاد وعرضها أنها ستستولى على أي مدرسة خاصة تفرض على الآباء رسوم إضافية أو تبرعات إجبارية.

لكن نفس الحكومة فرضت في نفس الوقت 1000 جنيه على سبيل التبرع الإجباري لقبول أي طفل في مدرسة اللغات التجريبية الحكومية في المنصورة.. أمر بها السيد المحافظ بناء على تعليمات من السيد الوزير.

ومنذ شهور أذاعت الحكومة أنها ألغت الحد الأقصى لسنوات الإعارة في البلاد العربية.. لكن نفس الحكومة كتبت خطابات رسمية إلى بعض موظفيها بالعودة وإما الفصل.. فما معنى ذلك؟ هل الحكومة لا سمح الله تكذب ؟ .

لا أظن.. فالكذب جائز إذا كان المستمع جاهلا بالحقيقة ومستعدا لتصديق ما يسمع. .أما حين يكون المستمع معايشا للحقيقة بشخصه ومكويا بنارها.. فما جدوى الكذب عليه.

ماجدوى أن تقول لرجل يتأفف من البرد أن الدنيا حر أو أن تقول لرجل في طابور الخبز إن مصر لم تعد فيها طوابير،أو تنادى رجلا يستغيث من قاع حفرة إن الحكومة أذكى من أن تفعل ذلك، ولا يمكن أن تبلغ بها السذاجة حد إعلان كلام على شعبها وهى تعلم أنه يعايش عكسه.

إنما التفسير هو أن مصر أصبح فيها أكثر من حكومة، وكل حكومة فيها تتمتع باستقلال ذاتى كامل.. حكومة جمهورية مصر تلغي الحد الأقصى لسنوات الإعارة، لكن حكومة مصلحة الضرائب تضع لرعاياها حدا أقصى وتلزمهم به.

مكتب التموين الآن حكومة، شرطة المرور حكومة أخرى، رقابة السينما حكومة،بوليس الاداب حكومة تنازعها السلطة على الأفلام، أجهزة السياحة حكومة، أجهزة الجمارك حكومة، والتليفزيون حكومة وجهازه الدينى حكومة أخرى تذيع فتاوى أن تنظيم النسل حرام.

أصبحت بلدنا أقرب إلى اتحاد فيدرالي من حكومات متعددة تتمتع بالاستقلال وترفض التبعية، وأصبحت قرارات الحكومة الكبيرة تعامل عند الحكومات الصغيرة معاملة التوصيات دون أن تكون ملزمة.. ويبدو أن هذا في الفكر الحكومي المصري الحديث هو الترجمة العملية لمبدأ الديمقراطية.. والله أعلم.
الجريدة الرسمية