الصداقة والخيانة في حياة كاسترو وجيفارا.. شكلا قوة نجحت في طرد «باتيستا» من الحكم.. «فيدل» يعين الـ«تشى» سفيرا لمواجهة امريكا.. وتركه يواجه الموت منفردا ببوليفيا
رحلة من النضال والثورة عاشها اثنان من أبرز الأسماء الثائرة في العالم، هما فيدل كاسترو، الرئيس الراحل لكوبا، وتشي جيفارا، المناضل الشيوعي المعروف، واجها خلالها أحلك الظروف، التي استطاعا خلالها، بفضل الصداقة العميقة بينهم، تجاوزها، ولكن الخيانة كتبت نهاية سوداء لتلك الصداقة.
اللقاء الأول
وكان اللقاء الأول بين «كاسترو» وجيفارا في المكسيك، بعدما تلقى كاسترو حكما بالسجن لمدة 15 عاما، نتيجة تشكيل قوة عسكرية لمواجهة الانقلاب الذي قاده فوجينسيو باتيستا على الانتخابات البرلمانية فى كوبا، وهاجم كاسترو بالفعل إحدى الثكنات العسكرية، ليتم القبض عليه، وبعد إطلاق سراحه، سافر إلى المكسيك هو ورفاقه على متن قارب شراعي، لإعادة تجهيز فريق النضال الخاص به، لأن المكسيك وقتها كانت ملجأ للثوار من أمريكا اللاتينية.
وتصادف مع ذلك، قيام جيفارا بالسفر إلى كولومبيا ليتعرف على الثورة التي كانت مشتعلة فيها، ثم بعد ذلك هجرته إلى المكسيك، لرؤية أحوال الثوار المتواجدين هناك، والتقى بسيدة تدعى «هيلدا»، مناضلة يسارية من بيرو، فأعجب بها وتزوجها، وأنجب منها طفلته الأولى، وهي التي قدمته إلى أحد ملازمي «كاسترو»، وسمع منه عن أهداف الثورة الكوبية والنضال الذي يقوده كاسترو، للحصول على الحقوق المسلوبة، وتوفير حياة كريمة.
ولاقت أفكار كاسترو الإعجاب الشديد من جانب جيفار، الذي وجد فيها تطابقا كبيرا مع أفكاره، مما جعله متشوقا إلى حد كبير، لرؤية كاسترو، وهو ما جرى في عام 1955، واستمر لمدة 8 ساعات كاملة، تعرف خلالها كل منهم على أفكار الآخر، وتعرض كاسترو في حديثه إلى أسباب ثورته، وقدومه إلى المكسيك لتكوين فريق النضال الخاص به، وباستمرار الحديث عرف كاسترو بدراسة جيفارا للطب، فوجد في انضمامه إليهم مكاسب متعددة.
رفاق النضال
وبالفعل انضم جيفارا إلى قوات كاسترو، الذي أعلن تشكيل حركة 26 يوليو في 1955، برفقة مجموعة من الثوار بلغ عددها 87 من المنفيين، وتحرك الرفقاء في رحلة قاسية إلى سواحل كوبا بسفينة «غرانما»، ولكنهم ضلوا الطريق في مستنقعات الغابات الاستوائية، وفوجئوا بهجوم شديد من قوات «باتيستا»عليهم بإطلاق وابل من الرصاص، أصيب جيفارا في صدره وعنقه، ولكن لم تؤدي الإصابة إلى موته، وواصل الرفقاء السير حتى وصلوا إلى كوبا.
وبدأت تحركاتهم سويا من خلال الاقتراب من الفلاحين الفقراء ومحاولة بث أفكارهما فيهم، وتوضيح حقوقهم وإظهار مدى الظلم الواقع عليهم، وكانت تلك البداية الحقيقية لعلاقة الصداقة بينهما، وبالفعل اقتنع عدد كبير من الفلاحين بمبادئ وأهداف الثورة، بتأثير لا يمكن إنكاره من كلمات جيفارا الثورية، التي أثارت نفوس الفلاحين مثل «الثورة كالجمر، قوية كالسنديان، عميقة كحبنا الوحشي للوطن».
وانضم عدد كبير من الفلاحين إليهم، وتم تدريبهم على حمل السلاح، وبدأت الثورة تحقق نصرا بعد نصر، ودخل الرفيقان إلى مدينة هافانا العاصمة الكوبية، وهرب باتيستا ونجحت الثورة الكوبية.
العرفان بالجميل
كاسترو لم ينس مساندة جيفارا له خلال رحلة نضاله، فبعد تنصيبه رئيسا للبلاد، كرم صديقه ومنحه الجنسية الكوبية، وأعطاه رتبة «ميجور»، ثم عينه سفيرا متجولا وممثل لشخصه، للترويج للثورة الكوبية في العالم، وكسب تأييد عالميا لها، وتحرك خلال ذلك جيفارا في جولة التقى فيها بالرئيس جمال عبد الناصر في مصر، ونهرو في الهند، وتيتو في يوغوسلافيا، وسوكارنو في إندونيسيا.
ثم تم تعيين جيفارا رئيسا للمعهد الوطني للأبحاث الزراعية ثم وزيرا للصناعة ورئيسا للمصرف المركزي العام 1961، وعقد هو وكاسترو تحالفا مع الاتحاد السوفيتي السابق، ومن خلال مناصبه تلك قام بالتصدي بكل قوة لتدخلات أمريكا، فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع كاسترو ما أغضب الولايات المتحدة فشددت الحصار المفروض على كوبا، وهو ما جعلها تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت.
خيانة كاسترو لرفيقه
وفي رواية طرحها الكاتب الصحفي الكوبي ألبرتو مولر في كتابه «بلا اتصال مع مانيلا»، أكد خلالها أن كاسترو خان رفيقه في الكفاح جيفارا، بعدما أرسله إلى بوليفيا لتكون نقطة انطلاق لحرب ثورية مناهضة للتوسع الأمريكي، ولكن أمريكا بمجرد علمها بوصوله إلى هناك، أرسلت فريقا من «سي آي إيه»، لتساعد قوات الجيش في القضاء على مجموعة جيفار، وبالفعل هاجم 1500 من قوات بوليفيا مجموعة جيفارا التي لم تتعد 15 فردا، في أحد الوديان الضيقة، وبرغم ذلك استمر القتال لمدة 6 ساعات كاملة، دون تدخل من كاسترو، الذي ترك صديقه يواجه الموت منفردا.
