رئيس التحرير
عصام كامل

قصف جبهة


بالتزامن مع سيل الانتقادات التي وجهها المصريون لإثيوبيا على إثر زيارة رئيس وزراء إسرائيل لها، كان السفير الرواندي بالقاهرة يدلي بتصريحات صحفية أهمها أن رواندا ستتبني علاقات جيدة مع تل أبيب ولا يعني هذا عداء للعرب، مضيفًا أن مصر من أوائل الدول التي طبّعت مع إسرائيل ولسان حاله يقول «هي جات عندنا وبقت كخة».


لم تقف تصريحات السفير الرواندي عند هذا الحد بل أكد أن مصر فتاة جميلة لا تفتح الباب لأحد مما جعل الجميع ينفر منها، وهو ما ينطبق على المثل المصري «من كتر خطابها بارت».

تلك التصريحات الصريحة والواضحة أو ما يطلق عليها «قصف جبهة» هي تجسيد لرؤية دول أفريقيا للقاهرة، كما تدل أيضًا على رؤية الأخير لدول القارة السمراء، ولأن لغة الخطاب هي أحد آليات إظهار تلك الرؤى علينا أن نقف لنتأمل كيف يتكلم القادة المصريون ونظراؤهم في الدول الأفريقية.

نحن لا نمانع في تنمية دول حوض النيل، سنشارك في كل تقدم ونعمل على إنجازه، ليس لدينا عداء مع أحد، لن نلجأ إلى أي حلول سوى المفاوضات، منح مالية جديدة لإقامة مشروعات تنموية في أفريقيا، التصريحات السابقة هي ملخص ما قاله المسئولون المصريون خلال الأربع سنوات الماضية وإذا كنت ممن ابتلاك الله بتحليل كل كلمة ستجد نفسك أمام نظرية أبوية تسلطية تصر مصر على الاستمرار فيها.

القاهرة تقول لدول أفريقيا دومًا لا تقلقوا لن نمنعكم من تنمية أنفسكم، سنعطيكم تلك الفرصة، أما بالنسبة للكوادر البشرية التي لا تمتلكونها نظرًا لجهلكم سنرسلها لديكم، وفي لهجة عطف تطمئن الدول القلقة على مستقبلها، لا تخافوا لن نضربكم بالطائرات، وسنعطيكم أموالا أيضًا وبغض النظر عن إمكانية وقدرات القاهرة في تنفيذ ما تقوله لكن تلك كانت سياستها الواضحة.

هذا الخطاب إذا وضعته بجانب خطاب رئيس وزراء إسرائيل الموجه للشعب الإثيوبي الأسبوع الماضي، تستطيع أن تدرك الفرق، فـ«نتنياهو» خلال 13 دقيقة أصر أن يؤكد على عراقة الشعب الإثيوبي وتقدمه، مشيدًا بتجربته الحرة وتنميته الاقتصادية ونضاله الطويل عبر التاريخ.

مشكلة مصر أنها لاتزال تعيش في حقبة الستينات، وقتها كان يمكن أن تكون هناك نظرة أبوية لدول أفريقيا فعبد الناصر ساعد كثيرًا من رؤسائها في الاستقلال، مدهم بالسلاح والتدريبات بل كانت أحد النكات الشائعة في هذا الوقت «الأفريقي ييجي يومين هنا يرجع رئيس»، لكن السياسة الناصرية ووضع الدول الأفريقية في الستينات كان ملائمًا وكان يحق لعبدالناصر أن يتكلم هكذا، لكن غير الملائم أن تستمر اللهجة إلى ذلك الوقت.

لغة الخطاب تلك دفعت قادة أفريقيا خاصة دول إثيوبيا وأوغندا ورواندا أن يكون لهم لغة خطاب لم تكن أقل سوءًا، وظهرت خلال السنوات الماضية وتراوحت بين "لن نضر مصر، مصيرنا مشترك، نريد تنمية بلدنا، ومنفتحين على العالم، وأخيرًا سنبني علاقات جيدة مع تل أبيب".

قادة دول حوض النيل يقولون لنا صراحة لا تخافوا لن نضركم، لأننا نؤمن أن مصيرنا مشترك، ليس لكم حق في أن تصادروا أي مشروع لأننا نريد تنمية بلدنا، أما فيما السياسة الخارجية فلكل بلد سياستها أو كما عبر وزير المياه السوداني أثناء تواجده في القاهرة فبراير الماضي، لا نتخذ موقف مصر في ملف سد النهضة وكل دولة تبحث عن مصالحها الخاصة.
الجريدة الرسمية