رئيس التحرير
عصام كامل

أبي الذي منعني من التحرش وتقليد الأسطورة !


حصة جغرافيا، الأستاذ يشرح كلامًا لا أفهمه في هذا اليوم، من منتصف عام 2004، شاردًا في الأهم، سأشتري الأعمال الكاملة لعبدالرحمن الأبنودي، حلم راودني منذ شهرين، «حوشت» من مصروفي اليومي لأقتني أعمال هذا الرجل الذي سمعت له قصيدة واحدة بعنوان «يامنة».


مرت الدقائق ثقيلة كعادة الوقت حين تنتظره، راودني حلم أن يملّ الأستاذ وينهي درسه مبكرًا كما اعتاد لكنه أطال بشكل جعلني أتساءل هل يعرف ما يدور بخلدي، فأراد معاقبتي، دقائق أخرى وفُتحت أبواب المدرسة، تركت زملائي، سأسير لمدة ربع ساعة حيث منفذ الهيئة العامة للكتاب بجوار سينما رادوبيس بالهرم.

محرجًا كنت، لا أعرف ماذا يقولون، ساعدني حظي أني وجدت ما أريده بسرعة، شاورت للموظف، ابتسم كثيرًا وتعرف على اسمي، لم يكن ذلك ما يشغلني لكني خجلت وأنا داخل شقتي، خبأت الكتاب في شنطتي ووضعته على المكتب في مكان لا يراه أحد، لا أعرف لماذا شعرت أني أرتكب جريمة، ربما لأنني لم أر كتابا طوال حياتي حتى الآن «14 عاما» في بيتي، ربما خجلت أن يسخر أحد من حلمي في أن أملك الأعمال الكاملة للأبنودي.

أبي رجل صعيدي، يرتدى دومًا الشال والجلابية بعد انتهاء عمله الحكومي، يحب مسك العصا، ولم يقرأ غير كتاب الله وبعض الأحاديث والجرائد اليومية، كشفني منذ الساعات الأولى– كنت فاشلًا في التخفي– أمسك الكتاب وقرأ فيه، نظرت إلى الأرض، لكنه فرح، بل أخبرني أن الأبنودي كتب أغاني كثيرة لعبد الحليم حافظ، سألني عن ثمنه وحين أخبرته أعطاني إياه مشجعا الخطوة التي أقدمت عليها.

كنت سعيدا جدا أصبحت شهريًا أشتري الكتب، وأكثر سعادة وهو يحدثني عن أسماء لم أكن أعرفها، فوجئت إنه مثقف أو على الأقل يعرف أسماء الكتاب والأدباء، لمعة عينيه التي تشير إلى حب حقيقي دفعتني إلى الاستمرار، مرة واحدة فقط عاتبني فيها حين اشتريت الأعمال الكاملة لنزار قباني وضاع أول مرتب لي في الصحافة، معاتبته جاءت على شاكلة نصف للكتب ونصف لنفسك على الأقل تفرح بمجهودك.

حين دخلت الثانوية العامة وكان على أن أختار بين علمي وأدبي، سألته ماذا أختار؟ الكثيرون من آباء زملائي اختاروا لهم، قال «الخيار خيارك»، صُدمت كثيرًا، هل سيتركني وحدي في ظل امتحان كهذا، بعد يومين سألته مرة أخرى فكان كريمًا وقال «أنت مش بتقول عاوز تبقى صحفي خلاص يبقى أدبي»، حتى ذلك الوقت كانت الصحافة حلما، بكلمات قليلة حولها إلى مشوار حياة.

سنوات كثيرة مرت ولا يزال عالقًا في ذهني هذا الموقف، بعد تخرجي من الكلية سألته لماذا لم تختر لي حتى لو كان اختيارك يوافق رغبتي، وبدلًا من أن يجاوبني سألني «ومن امتى بقولك تعمل إيه»، مضيفًا «أنا مقتنع أن كل قرار متعلق بحياتك أنت اللي لازم تاخده، صحيح أنا كنت براقبك من بعيد لو لخبط لكن يهمني أنك تكون واثقا في نفسك وبتعرف تختار وأنت كنت قد كل اختيار».

سمعت ذلك مشدوهًا بكل حرف، خالف كل توقعاتي التي كانت في أحسن تقدير تشير إلى أنه يراها حرية ومن حقي أن أحدد ما أريد، لكن بناء الثقة والاستقلال الذي منحهما لي بتوازن صعب الحدوث هو ما أذهلني حقًا، كيف لهذا الرجل أن يعرف كل ذلك !

لا أسرد ذلك من باب الحكايات، هذا أول ما قفز في ذهني حين رأيت الأطفال والمراهقين في العيد يزينون وجوههم بلحية الأسطورة، وقصات شعر غريبة وتدخين سجائر وتحرش بالفتيات، تذكرت حين صبغت شعري في الثانوية العامة معتقدًا إني «أروش خلق الله» لم يضربني أبي بل قال «مش حلوة»، في وسط الفرحة التي أشعر فيها وقتها بسبب ملابسي والعيد جاءت كلماته قاتلة بل قررت أن لا أفعلها مرة أخرى.

«عباس» الذي يتكلم بلكنة صعيدية ويعلو صوته كثيرًا عند الغضب، كان أكثر المشجعين لي للانفتاح على الجنس الآخر، حين رآني لأول مرة أهاتف صديقة لي ضحك وانسحب بهدوء، «نكشني» بكلمة في اليوم التالي ونصحني بعدها، لا تؤذي بنات الناس فيؤذيك الله في أختك، احترمهن كثيرًا ولا تحكم على أحد من شكله، ولا تخض في أعراض أحد وأعرض عن الجاهلين، واعرف أن الرجولة ليست في ضرب امرأة أو شعورها بالخوف منك.

منح الله أبي نعمة حب الحياة وعافاه من فوبيا التحريم، كل شيء جميل يفرح به الموسيقى والمصيف، يؤمن بالحب وبالذكريات التي يجب أن أكونها في شبابي، يرفض فرض الرأي ويحبذ احترام رغبات الغير ويقتنع بأني مختلف مرددًا مقولة سيدنا على «ربوا أولادكم على أعمارهم»،علمنا الاستقلال والحرية فسرنا في هذا الدرب.

أبي البسيط العظيم النجيب الرائع المدهش جعل أقصى طموحي أن يمنحني الله ما منحه حين يكون لي أولاد فأتبع نفس طريقته بلا تبديل أو تعديل!

هل وجد الأطفال الذين رأيناهم متحرشين بالفتيات، مقلدين لحلاقة البلطجي «ناصر الدسوقي» من يقول لهم ما قاله لي أبي، هل شجعهم أحد كما فعل «عباس»، هل تلك منحة إلهية لي فقط، كثيرون لم يروا ذلك، هم مظلومون ولا شك !
الجريدة الرسمية