نماذج مشرفة لرجال الشرطة
ليس لدينا قصور أمني.. لدينا فقط قصور عقلي لبعض العاملين في الجهات الأمنية.. يتكاسلون عن أداء مهامهم.. يتقاعسون عن تنفيذ أدوارهم، ويفضلون «الأنتخة» و«الجلوس في الظل»، تاركين غيرهم من المجتهدين والمخلصين يضحون بأرواحهم فداءً للوطن، ويؤدون واجبهم في أحلك الظروف وأصعب الأوقات.
و«الداخلية» شأنها شأن كل مؤسسات الدولة، فيها الصالح وفيها الطالح.. فيها المخلص وفيها المتخاذل.. وإذا كان الإعلام يُسلط الضوء على النماذج «السلبية» لرجال الشرطة، فإن هذا لا يمنع من إلقاء الضوء على النماذج «الإيجابية» في هذه المؤسسة الأمنية العريقة، والذين يتفاعلون من المواطنين، ويقدمون لهم كل العون، ويضعون أيديهم في يد المواطن؛ لإعادة الانضباط إلى الشارع.
من هذه النماذج المشرفة في جهاز الشرطة، ضابط برتبة «عميد»، يقف في ميدان السيدة عائشة، ينظم حركة المرور، في هذا الجو الحار الخانق.. ترددتُ قبل الذهاب إليه؛ لأخبره عن وجود عدد من سيارات الميكروباص لا تحمل لوحات معدنية، وتقف على مقربة من الميدان.. لم يسألني هذا «العميد» عن هويتي، بل كان رد فعله أسرع مما كنتُ أتوقع، إذ قال لي: «تعالي معايا نشوف حكايتهم».. ثم نادى على بعض الضباط والأمناء، طالبًا منهم اتباعه إلى حيث يذهب.
لم يسمح هذا «العميد» لسائقي الميكروباص المخالفين أن يهربوا بسياراتهم.. وكان حازمًا حاسمًا معهم.. أخذ رخصهم، وبطاقاتهم.. وأمر الأمناء أن يقودوا السيارات.. وأمام كثرة عدد الميكروباصات المخالفة، لم يجد «النقيب محمد» غضاضة في أن يقود ميكروباص بنفسه، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالها..
بصراحة.. كان الضباط والأمناء والأفراد أشبه بخلية نحل.. الجميع يؤدي دوره بكفاءة.. ولم أكن أتوقع هذه السرعة في الاستجابة، خاصة أنني سبق وأن أبلغت ضباطًا وأمناء آخرين عن هذه الميكروباصات المخالفة، ولم يتم اتخاذ أية إجراءات حيالها.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد.. فعندما شكوت لهذا «العميد» وجود مجموعة من «النصابين»، يحتالون على الناس، ويبيعون لهم بضاعة «مضروبة»، من خلال «مزاد وهمي»، لم ينتظر أيضًا، واصطحبني إليهم.. وعندما شاهدونا فروا هاربين؛ تاركين بضاعتهم، وأحد أفرادهم لم يتمكن من الهرب، فأخذه مع البضاعة؛ ليتخذ الإجراءات القانونية حياله!
كل ذلك، ولم يسألني «العميد» عن هويتي، ولا جهة عملي، وكان يشكرني على جرأتي، وشجعني على الإبلاغ عن الأشياء السلبية التي أراها أمامي.. وعندما طلبت منه معرفة اسمه؛ لأشكره على صنيعه، رفض.. وأمام إلحاحي عرفني بنفسه «العميد/ جمال عويس».. شكرته وانصرفتُ إلى عملي؛ راجيًا كل ضباط وأفراد الشرطة أن يحذوا حذوه، وأن يكونوا في سرعة استجابته.
