رئيس التحرير
عصام كامل

عن ريشة الصحفيين المزعومة!

18 حجم الخط

أربعة أسس اتفقت عليها الأمم لبناء دولة عصرية حديثة بعد استقرار الأمور فيها أو بعد الثورات أو التحولات الاجتماعية الكبرى، هي وبالإجماع بين شعوب الأرض، وعند كل مناهج ومراكز العلوم السياسية، وبغير ترتيب: فصل بين السلطات وقضاء مستقل وصحافة حرة وتداول للسلطة.. وكل من الأسس السابقة يؤدي مهمته ودوره، وإن غاب واحد منها فسنكون أمام دولة متخلفة عن مسيرة الدول المتحضرة العصرية!


وفي مصر عرف الناس حديثا مصطلح "السلطة الرابعة"، ليس لترتيبها بعد السلطات الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإنما لدورها الأساسي في الرقابة عليها جميعا.. وهنا الرقابة ليست ميزة للصحافة، وإنما مهمة تقوم بها نيابة عن المجتمع.. عن الناس يعني.. ولذلك فهي عمليًا مفوضة من الناس بالرقابة على أداء الجهاز الحكومي، ولذلك وجدناها في مصر تكشف أي فساد وكل فساد حدث أو جرى هنا أو هناك.. هي من تصدت لأي تزوير في الانتخابات البرلمانية وغيرها، وهي من تصدت لكل جرائم الخصخصة وبيع القطاع العام، وهي من تصدت لكل استيلاء جرى على المال العام أو أي محسوبية أو رشوة في الجهاز الحكومي، وهي من تصدت لتصفية شركات كبيرة كأسمنت أسيوط والمراجل البخارية وغيرها، وهنا الحديث يطول جدا..

وفي الرقابة على السلطة التشريعية، كانت من كشفت ما عرف بقضية نواب القروض، ثم نواب سميحة، وقبلها نواب الكيف، ومهازل المناقشات تحت القبة وغيرها.. ومع السلطة القضائية كانت سلاح القضاة أنفسهم في "تجريس" القضاة المنحرفين بنشر أسماء المحالين للصلاحية والمرتشين منهم، كأحد أدوات الردع في تأديب القضاة، والصحافة هي التي كشفت مهازل الشهر العقاري، وأي فوضى وقعت بمكاتبه بطول البلاد وعرضها!

على المستوى الفردي، ظلت الصحافة الملجأ والملاذ لكل مضطهد وكل مظلوم من رئيسه في العمل أو من جاره البلطجي أو من التاجر المستغل أو المدرس المتهور أو من أي إهمال إداري كانفجار مواسير الصرف أو تلال القمامة أو فتوات الميكروباص أو كل مرتشٍ أو متنفذ يستغل نفوذه في الانحراف بسلطته وغيرها وغيرها، يذهب الناس إلى الصحفيين لنشر شكاواهم وصرخاتهم!

في كل ما سبق ليس للصحفي مشكلة شخصية أو خاصة، وإنما يفعل كل ذلك نيابة عن الناس وعن المجتمع!

ومنع الحبس في قضايا النشر سببه ما سبق، وليس ريشة على رأس الصحفيين، وإنما هي بالفعل ريشة على رأس المجتمع، يقاس تحضره بمعيار حرية صحافته.. ولذلك لا توجد حصانة للصحفي في الجرائم الجنائية أو أي جريمة أخرى بعيدا عن النشر كما يتوهم البعض!

الدولة المصرية تدرك كل ما سبق، ولم تخضع - كما يشاع - للصحفيين، وإنما عادت إلى وعدها ببناء دولة متحضرة عصرية، وبما لا يستحق السخرية التي طالتها من الكثيرين!

وحتى لا يختلط الكلام، فقد اعترفنا بوجود منحرفين بين الصحفيين كأي مهنة يمارسها البشر، وهو ما يتطلب أن يتطهر الوسط الصحفي منهم ويعاقب المخطئ لا جدال في ذلك..

ولا نجد أروع من أن نختتم بما قاله المفكر السياسي الشهير إدموند بروك، حين خطب وقال: "ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان، ولكن هناك في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة، وهي أهم منكم جميعًا هي الصحافة".. بروك يدرك أنها سلطة الشعب وعينه، ولو تم العصف بها لتم العصف بالشعب معها!!
الجريدة الرسمية