رئيس التحرير
عصام كامل

رحلة «شق التعبان» من محمية طبيعية لمنطقة صناعية.. استوطن بها الثعابين منذ ما يزيد على 100 عام.. أصدر محافظ القاهرة قرار بتحويلها لمنطقة صناعية عام 1997.. و«البيئة» في 2015: لم تعد

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
18 حجم الخط

"بدأ الإنسان حياته على الأرض وهو يحاول أن يحمي نفسه من غوائل الطبيعة، وانتهى به الأمر بعد آلاف السنين وهو يحاول أن يحمي الطبيعة من نفسه"، جملة لخصت ما فعله الإنسان بالطبيعة، وأشارت إلى الصراع القائم، منذ أبد الدهر، بين الطبيعة والصناعة، والتي وقف بها الإنسان بجانب الصناعة والتي رأى فيها مصلحته، ولكنه لم يدري أن مصلحته مع الصناعة مؤقتة ولن تدوم، وستنقلب الصناعة عليه، لتكون سببًا في تهديد بقائه على سطح الأرض.. وسنعرض خلال السطور القادمة إحدى جولات حرب الطبيعة والصناعة، والتي بدأت منذ ما يزيد عن المائة عامًا في منطقة "شق التعبان"، والتي كان فيها الإنسان سلاح الصناعة في مواجهة الطبيعة.


مأوى للثعابين
فمنذ ما يزيد على المائة عام، كانت منطقة "شق التعبان"، بمثابة محمية طبيعية، تكثر بين شقوقها الثعابين الصغيرة والكبيرة والحيات، فهي منطقة ذات طبيعة جبلية، هجرها الإنسان في البداية، فاتخذ الثعابين والحيوانات الزاحفة منها مأوى واستوطنوها لآلاف السنين.

وعرفت هذه المنطقة بعدم وجود طرق مستوية وامتلاء المنطقة بالصخور والرمال والحجارة، فغض البشر عينهم عنها، وظنت الطبيعة أنها تمكنت في الفوز بمكان تحمي بداخله هذه الزواحف والثعابين.

شق الطرق
فما كان من الصناعة إلا أن استغلت حاجة الإنسان إلى المال ورغبته في تحقيق مصلحته الشخصية على حساب الطبيعة، فدفعت بالبعض إلى التفكير حول إمكانية تحويل "محمية شق التعبان" إلى منطقة صناعية، ونجحوا في شق الجبل، فأقاموا طريق وسط الجبل شرق الأتوستراد،‏ ولم يكن الشق مستقيما لكنه متعرج ومن هنا جاءت التسمية بشق الثعبان‏.

تشغيل المحاجر
وبدأ بعض المواطنين في تشغيل المحاجر الموجودة في الجبل وكل محجر كان يتبعه حوش لتشوين الحجارة وبدأت إدارة المحاجر بمحافظة القاهرة بالإشراف على هذه المحاجر، ثم فكر أحد أصحاب هذه المحاجر في جلب المنشار الذي يستخدم في إيطاليا لنشر الرخام إلى المنطقة، وحول حوش التشوين إلى مصنع صغير لنشر الرخام، أعجب أصحاب المحاجر الآخرين بالفكرة فاتبعوه، وانتشرت مناشير الرخام في المنطقة.

18 ألف جنيه
وأصبح مستأجرو المحاجر، يؤجرونها لاستخدام هذه المناشير وأصبح في المنطقة نشاط مخالف للترخيص الذي أصدرت من أجله أحواش المحاجر، وكان إيجار الحوش‏18‏ ألف جنيه‏.‏

منطقة صناعية
وبعد أن توسع أصحاب المناشير في صناعة الرخام والجرانيت دون وجود مياه أو كهرباء أو طرق، طالبوا محافظة القاهرة بتحويلها إلى منطقة صناعية وأصدر الدكتور ‏عبد الرحيم شحاتة، محافظ القاهرة آنذاك، القرار‏223‏ لسنة‏1997‏، والذي يفيد بتحويل منطقة محاجر شق الثعبان إلى منطقة صناعية ولتقنين أوضاع مستثمريها بدأت المحافظة في تغيير عقود إيجار المحاجر إلى عقود تمليك بسعر مائة جنيه لمتر الأرض يقسط على‏10‏ سنوات بفائدة‏5% و‏60‏ جنيها لمتر المرافق بقسط على‏4‏ سنوات وتم تقسيم المنطقة إلى‏3‏ مستويات في السعر والبالغ طولها خمسة كيلومترات الكيلو الأول‏110‏ جنيهات للمتر والثاني‏100‏ جنيه وبعد ذلك‏90‏ جنيها للمتر‏.‏

ودارت عجلة الصناعة هناك وتحولت إلى واحدة من أشهر مناطق الصناعات القائمة على الجرانيت والرخام، والتي تقع بمنطقة صقر قريش في مدينة حلوان حيث تجتذب الآلاف من الأيدي العاملة التي تمتهن هذه الصناعة كمصدر للرزق.

تقرير وزارة البيئة
واستطاع العاملون بمنطقة "شق التعبان"، على مدى الأعوام الماضية أن يسطروا تاريخًا جديدًا لهذه المنطقة، لتتحول إلى منطقة صناعية وليست محمية طبيعية، إلى أن انتفضت وزارة البيئة، وطالب الدكتور خالد فهمي، وزير البيئة، رئيس مجلس الوزراء المهندس إبراهيم محلب التدخل لمنع إقامة مصانع في منطقة "شق التعبان"، موضحًا أنها محمية طبيعية لا يجوز استغلالها.

وأوضح أن عددًا من رجال الأعمال حصلوا على تصاريح لإقامة مصانع في منطقة شق التعبان، مشيرا إلى أن المحميات الطبيعية ليست ملكًا لوزارة البيئة ومن يديرها جهاز شئون البيئة وفقًا للقانون.

وأكد أن جهاز شئون البيئة له ولاية إدارية للمحمية ويضع شروط استغلالها وتظل الملكية للهيئة لكن الاستغلال يجرى بناءً على شروط يضعها جهاز شئون البيئة، متسائلًا: "من صاحب المصلحة في تحويل أراضي شق التعبان إلى مصانع وهى محمية لم تقنن أوضاعها؟".

وكشف فهمي، خلال حديثه، بالأمس، حول أن الوزارة اعدت تقريرًا بيئيًا بشان منطقة شق التعبان، وأكد التقرير أن المنطقة أصبحت ملوثة والمنطقة التابعة لمحافظة القاهرة لم يعد لها حساسية بيئية والمحافظة ترغب في إنشاء مساكن عليها، وقطعة الأرض التابعة لجمعية المعادى عبارة عن مقلب قمامة، مضيفًا: "أرسلنا هذا التقرير لأحد الخبراء وشدد على ضرورة التخلص من هذه المشاكل خاصة أن الأراضى لم تعد لها حساسية بيئية".

وبذلك أعلنت الصناعة فوزها على الطبيعة في هذه الجولة، واستطاعت أن تقضي تمامًا على ملامح المحمية بمنطقة شق التعبان، ورسمت بيد الإنسان ملامح أخرى يغلب عليها المعدات الصناعية، وصوت المناشير، ويعبأ هواءها بالأتربة.
الجريدة الرسمية